اتفاق مكة.. مظلة دفاعية أم خندق مذهبي على أبواب إيران؟

بقلم:إلهامي المليجي..
في مكة، حيث يطوف السُّنّة والشيعة حول كعبة واحدة، وُلد يوم الجمعة حلفٌ يجمع ثلاث دول ذات أغلبية سُنّية، فيما حضرت إيران في خلفيّة المشهد وإن غابت عن نصّ الاتفاق. صلّى قادة السعودية وتركيا وباكستان في المسجد الحرام، ثمّ انتقلوا إلى قصر الصفا ليوقّعوا تعهّداً يعتبر الهجوم على واحدة من دولهم هجوماً عليها جميعاً. لم تكن الصورة بريئة من السياسة؛ فالقداسة، حين تحيط باتفاق عسكري، تجعل الأسئلة أشدّ إلحاحاً وخطورة.
قال الموقّعون إنّ “اتفاق مكة للدفاع المشترك” لا يستهدف إيران، ولا يؤسس حلفاً مذهبياً، وإنما يردع “أيّ عدوان”. لكنّ الأحلاف لا تُعرف بما تحذفه بياناتها، بل بتوقيت ميلادها، وهوية أطرافها، واتجاه المدافع قبل توقيعها. والسؤال الذي يطلّ من خلف الكعبة والدخان معاً: هل تستردّ المنطقة أمنها من المظلة الأميركية، أم تعيد إنتاجها بأيدٍ محلية وعباءة دينية؟
حلف لا يسمّي عدوّه
شبّه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الاتفاق بالمادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو: الاعتداء على عضو اعتداء على الجميع. كما أعلن إنشاء لجنة وزارية وأمانة عامة مقرها السعودية، وتحدّث عن رغبة إردوغان في توسيع الحلف. نحن، إذاً، أمام نواة مؤسسة عسكرية، لا بيان تضامن عابر.
وعلى الورق، يجمع الثلاثي عناصر قوة ضخمة: المال والموقع والنفوذ الديني السعودي، والجيش والخبرة العملياتية والقدرة النووية الباكستانية، والقوة والصناعات الدفاعية التركية، فضلاً عن عضوية أنقرة في الناتو. غير أنّ هذا التكامل يخفي تناقضاً يصعب تجاهله: باكستان مشدودة إلى صراعها التاريخي مع الهند، وتركيا إلى نزاعاتها في سوريا وشرق المتوسط، والسعودية إلى جبهات إيران وأنصار الله والقوى العراقية.
فهل تتحوّل مواجهة باكستانية – هندية إلى حرب سعودية وتركية؟ وهل تصبح معركة سعودية مع أنصار الله ملزمة لأنقرة وإسلام آباد؟ النصّ يرفع سقف الالتزام، لكنه يترك التنفيذ غامضاً؛ وقد يتحوّل وعد الدفاع الجماعي إلى شعار كبير تحته استجابات انتقائية صغيرة.
استقلال عن واشنطن.. بأصدقاء واشنطن
يُقدَّم الاتفاق باعتباره محاولة لاستعادة أمن المنطقة من حارس أميركي متردّد. فقد اشترت دول الخليج السلاح بمئات المليارات، واستضافت القواعد، ثمّ اكتشفت أنّ وجود الجنود والرادارات الأميركية لا يضمن دائماً قراراً بالحماية عندما ترتفع الكلفة.
لكنّ المفارقة تقف في قلب الحلف: تركيا عضو في منظومة تقودها الولايات المتحدة، وباكستان صاحبة علاقة عسكرية واستراتيجية ممتدّة معها، والسعودية تستضيف قواتها وتعتمد على سلاحها. لذلك يبدو “اتفاق مكة” تنويعاً لمصادر الحماية أكثر منه خروجاً من العباءة الأميركية؛ توزيعاً جديداً للأدوار داخل نظام لم تعد واشنطن مستعدّة لدفع فاتورته وحدها.
والسلوك السعودي يقدّم الدليل الأوضح. فقبل أيام من توقيع الاتفاق، شاركت القوات السعودية نظيرتها الأميركية في ضرب مواقع للحشد الشعبي داخل العراق، كما وجّهت ضربات إلى أنصار الله في اليمن. تبني الرياض مظلة جديدة بيد، وتقاتل إلى جوار واشنطن بالأخرى. ومن ثمّ لا يولد الاتفاق بعد انتهاء زمن القواعد الأميركية، بل في قلبه؛ ولا يقطع الحبل معها، بل يقوّيه بخيطين تركي وباكستاني.
إيران الغائبة الحاضرة
لم يسمّ الاتفاق إيران، لكنه كُتب تحت وهج صواريخها. فقد تعرّضت قاعدة الأمير سلطان الجوية، التي تستضيف قوات وطائرات أميركية داخل المملكة، لموجات من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية؛ أُصيب عسكريون أميركيون، وتضرّرت طائرات للتزوّد بالوقود وطائرة إنذار مبكر. وفي الجنوب عادت جبهة أنصار الله إلى الاشتعال، بينما امتدّت المواجهة شمالاً إلى قوى عراقية.
خرج الاتفاق من بين نار تمتدّ من اليمن والعراق إلى الداخل السعودي. ولم ينتظر اختباره الأول طويلاً؛ فبعد يومين من التوقيع، هاجم أنصار الله بمسيّرة مصفاة جيزان التابعة لأرامكو، من دون أن يتبلور حتى الآن ردّ جماعي من الحليفين التركي والباكستاني. لذلك يبدو نفي استهداف إيران صحيحاً في حروف البيان، لكنه واهن أمام صراخ الوقائع، فيما ينتظر الالتزام الدفاعي أول ترجمة عملية.
وللمفارقة، لم تواجه طهران الاتفاق بإعلان عداء، بل رحّبت بالاعتماد على قدرات المنطقة، مشترطة أن تكون المنظومة شاملة وأن تحدّد الخطر في الكيان الصهيوني وحلفائه. ردّ دبلوماسي محسوب يعيد السؤال إلى مركزه: ليست العبرة بمَن يخشاه الحلف، بل بمَن يراه عدواً حين تبدأ الحرب.
وهنا يطلّ الامتحان الكاشف: الاتفاق يتعهّد بردع “أيّ عدوان”، فهل تشمل كلمة “أيّ” العدوان الصهيوني؟ إذا اعتدى الكيان الصهيوني على إحدى الدول الثلاث، هل تعتبر الدولتان الأخريان أنه اعتدى عليهما أيضاً؟ إذا فُتحت المظلة في وجه إيران وأُغلقت أمام “تل أبيب”، فلن يكون الاتفاق نظاماً للأمن الإقليمي، بل متراساً في حرب حدّد الآخرون اتجاهها.
مصر ليست المقعد الرابع
حين قال فيدان إنّ مصر قد تنضمّ بعد حلّ “بعض المسائل الفنية”، تعامل البعض مع كلامه كأنّ القاهرة وافقت ولم يبقَ إلّا استكمال الأوراق. والحقيقة أنّ التصريح يعبّر عن رغبة تركية في توسيع الحلف وإكسابه الثقل العربي الذي لا تمنحه له إلّا مصر، لا عن موافقة مصرية مؤجّلة.
القاهرة لم تعلن نيّتها الانضمام، وما يسمّيه فيدان “مسائل فنية” قد يخفي اعتراضاً على الجوهر: مَن يملك قرار الحرب المصرية؟ وهل تصبح صراعات الدول الثلاث معارك ملزمة للجيش المصري؟
مصر لا ترفض الدفاع الجماعي، لكنها ترفض الأحلاف الجزئية التي تصنعها عواصم محدّدة، ثمّ تدعو الآخرين إلى الالتحاق بها. فمنذ ثورة يوليو، ارتبطت سياستها بعدم الانحياز واستقلال القرار، وبأنّ الدفاع عن الأمن العربي يجب أن يجري تحت مظلة عربية جامعة، لا داخل محور مذهبي تحكمه حسابات ثلاث دول.
ولهذا تعلن القاهرة استعدادها للمشاركة إذا فُعّلت “معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية”، أو أُنشئت صيغة عربية مماثلة ذات شرعيّة وأهداف وقرار معلوم. وفي قمة شرم الشيخ عام 2015، طرح الرئيس عبد الفتاح السيسي إنشاء قوة عربية مشتركة؛ فأقرّ القادة المبدأ، لكنّ المشروع تبدّد بين خلافات العواصم، وبقي حبراً في بيانات القمم.
أما في حرب اليمن، فعلى الرغم من إعلان الرياض مصر ضمن التحالف، لم تنخرط القاهرة في الحرب بالصورة التي أرادتها السعودية. وما سُجّل من وجود بحري وجوي مصري ظلّ محدوداً ورمزياً لحماية باب المندب، الشريان المباشر للأمن المصري، ولم يتحوّل إلى تورّط في جبهات القتال اليمنية. وهذا هو الفارق بين أن تحمي مصر أمنها القومي، وأن تحمل بندقيتها في حرب قرّرها الآخرون.
ثمّ إنّ الثقافة المصرية بعيدة عن ثنائية سُنّي – شيعي، والجيش المصري جيش دولة لا طائفة. تستطيع القاهرة التعاون مع الدول الثلاث من دون أن تسلّم قرار حربها إلى حلف قد يسحبها نحو ساحات لا تخصّها.
أمن المنطقة لا يُبنى ضدّ نصفها
قد يفتح “اتفاق مكة” باباً لتوطين الصناعات الدفاعية وتقليص التبعيّة وبناء قدرة تردع العدوان حين تتردّد واشنطن. لكنّ قيمته لن تقاس بعدد الجيوش والصواريخ، بل بالجهة التي ستُفتح في وجهها مظلّته، وبقدرته على الفصل بين الدفاع المشروع والاستقطاب المذهبي.
لا يمكن بناء أمن الخليج باستبعاد إيران، كما لا يجوز أن تبني إيران أمنها على إخافة جيرانها أو اختراق ساحاتهم. ولا تجوز المساواة بين خلاف عربي – إيراني، مهما اشتدّ، وبين مشروع صهيوني يقوم على الاحتلال والاقتلاع والتوسّع. الأمن الحقيقي يحتاج إلى منظومة إقليمية تضمن عدم الاعتداء، وتحظر استخدام أراضي الدول لضرب جيرانها، وتحمي الممرات البحرية، وتفتح باب الحوار قبل أن تنطلق الصواريخ، لا بعد أن تحرق المدن.
يبقى “اتفاق مكة” معلّقاً بين احتمالين: أن يصبح نواة لاستقلال أمني يردع كلّ عدوان، وفي مقدّمته العدوان الصهيوني؛ أو أن يتحوّل إلى خندق سُنّي في مواجهة إيران، يعيد توزيع أدوار الحرب الأميركية بأيدٍ إقليمية.
وفي المدينة التي وحّدت قبلة المسلمين، ستكون المفارقة فادحة إذا انتهى الاتفاق إلى تقسيمهم. فاسم مكة أكبر من أن يُعلّق فوق محور، وقداستها أرفع من أن تصبح غطاءً لحرب. إما أن يكون الاتفاق درعاً للمنطقة كلّها، أو يصير جداراً يشطرها. فإن لم تتجه مظلّته إلى العدو الصهيوني كما تتجه إلى إيران، ولم تفتح أبوابه لأمن شامل لا طائفي، فلن يطفئ نار المنطقة؛ سيمنحها فقط اسماً مقدّساً، ثمّ يتركها تأكل ما بقي.



