اراء

اتفاقية مكة وآفاق الأمن والاستقرار في المنطقة

بقلم: حسن نافعة..


في أعقاب اجتماع عقد في مكة يوم الجمعة الماضي (7/8/2026)، ضمّ ولي العهد السعودي ورئيس الجمهورية التركية ورئيس الوزراء الباكستاني، تمّ التوقيع على اتفاقية دفاع مشترك بين الدول الثلاث، نصّت بوضوح على أنّ كلّ عدوان يقع على أيّ منها يعدّ بمثابة عدوان عليها جميعاً، ومن ثمّ يلتزم الجميع باتخاذ ما يلزم من إجراءات للتصدّي له ومعاقبته، ما يعني أنها تقيم نظاماً للأمن الجماعي بينها.
غير أنّ التجارب العملية أثبتت أنّ فاعلية أيّ نظام للأمن الجماعي لا تتحقّق بمجرّد التوقيع على اتفاقية دفاع مشترك، وإنما تتوقّف على توافر شرطين أساسيين؛ الأول: وجود تهديد مشترك يصعب على أطراف الاتفاقية مواجهته منفردين، والثاني: وجود آليات مؤسسية قادرة على حشد وتعبئة الموارد اللازمة للتعامل مع هذا التهديد بالطريقة المناسبة، وهما شرطان لا يتوافرن بالقدر الكافي من الوضوح في اتفاقية مكة.
فالشرط المتعلّق بالتهديد المشترك بين الأطراف الموقّعة على هذه الاتفاقية يبدو ملتبساً ويلفّه قدر كبير من الغموض، أما الشرط الخاصّ بفاعلية الآليات المؤسسية فلم يختبر بعد، وبالتالي يصعب التحقّق منه في الوقت الراهن، ومن ثمّ يتعيّن الانتظار لبعض الوقت للتعرّف إلى ماهية هذه الآليات أولاً ثمّ اختبار مدى فاعليتها من خلال الممارسة وعدم الاكتفاء بالنصوص المنشأة.
لا يحتاج المرء إلى عناء كبير للتوصّل إلى نتيجة مفادها أنّ رؤى الأطراف الموقّعة على اتفاقية مكة لما تعتبره مصادر تهديداً لأمنها الوطني تتباين إلى حدّ كبير. صحيح أنه يسهل تفهّم العديد من الأسباب التي تدفع المملكة السعودية للاعتقاد بأنّ إيران تشكّل مصدراً من مصادر تهديد أمنها الوطني، خصوصاً بعد اندلاع ثورتها الإسلامية نهاية سبعينيات القرن الماضي، غير أنه من الواضح تماماً أنّ تركيا وباكستان لهما وجهة نظر مختلفة ولا تشتركان مع السعودية في تبنّي هذه الرؤية.
فمن المنظور الباكستاني تعدّ الهند، وليس إيران، المصدر الرئيسي لتهديد الأمن الوطني الباكستاني، أما من المنظور التركي فإنّ كلّ نشاط يساعد على قيام دولة كردية موحّدة في المنطقة ينطوي على تهديد ضمني لأمن تركيا، ومن ثمّ يتعيّن التصدّي له والقضاء عليه. ومن الطبيعي، في غياب مصدر تهديد مشترك لأمن السعودية وتركيا وباكستان، أن تُثار تساؤلات عديدة حول حقيقة الأسباب التي حدت بهذه الدول الثلاث للتوقيع على اتفاقية دفاع مشترك تؤسس لنظام أمن جماعي خاصّ بها.
والواقع أنّ الدافع الرئيسي وراء التوقيع على اتفاقية مكة لا يعود إلى رغبة الدول الموقّعة على هذه الاتفاقية في إقامة نظام للأمن الجماعي بينها، بالمعنى المتعارف عليه لنظم الأمن الجماعي في التنظيم الدولي، وإنما يعود، من ناحية، إلى حاجة السعودية إلى ضمانات أمنية جديدة، خصوصاً بعد أن كشفت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مثالب الاعتماد المفرط على الحماية الأميركية وحدها، وإلى استعداد كلّ من تركيا وباكستان لتلبية الاحتياجات الأمنية السعودية.
من ناحية أخرى، رغم اختلاف الدوافع لدى كلّ منهما، فليس من المتصوّر عقلاً أن تفصح كلّ من تركيا وباكستان علناً عن استعدادهما لشنّ الحرب على جماعة أنصار الله في اليمن أو على قوات الحشد الشعبي في العراق إذا أقدمت أيّ منهما على شنّ هجوم بالصواريخ أو المسيّرات على السعودية، كما أنه ليس من المتصوّر عقلاً أن تفصح كلّ من السعودية وتركيا علناً عن استعدادهما لشنّ الحرب على الهند في حال ما إذا أقدمت الأخيرة على شنّ هجوم واسع النطاق على باكستان.
ومع ذلك يمكن القول إنّ لدى كلّ من تركيا وباكستان أسباباً كثيرة تدفعهما للتحالف مع السعودية في حال ما إذا تعرّضت الأخيرة لعملية غزو شاملة أو لحرب واسعة النطاق. فلدى السعودية ما يكفي من المزايا لإغراء كلّ من تركيا وباكستان بالتضامن معها في حال تعرّضها للعدوان: موارد مالية وفيرة، وقدرة على التحكّم إلى حدّ كبير في سوق الطاقة العالمية، وموقع جيوسياسي فريد، ومكانة دينية وروحية مميّزة.. إلخ.
تركيا دولة إسلامية تملك قاعدة صناعة وتكنولوجية متطوّرة، وبالتالي فإنّ تحالفها مع السعودية يحقّق فائدة مشتركة لكليهما، إذ يساعد تركيا على فتح سوق هائلة لصناعاتها العسكرية المتقدّمة وزيادة نفوذها في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية، ويساعد السعودية في الوقت نفسه على توطين بعض هذه الصناعات داخل حدودها.
ولأنّ باكستان هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحاً نووياً، فمن الطبيعي أن يحقّق تحالفها مع السعودية مصلحة مشتركية للبلدين، إذ يساعد باكستان على التخفّف بعض الشيء من أعبائها الاقتصادية الخانقة، ويساعد السعودية في الوقت نفسه على الاحتماء بغطاء أمني رادع.
تجدر الإشارة هنا إلى أنّ التوقيع على اتفاقية مكة أثار ردود أفعال متباينة إلى حدّ التناقض. فمن قائل بأنّ الحلف الذي أسفرت عنه هو نواة لتجمّع سني يستهدف محاصرة المدّ الشيعي في المنطقة، ما يعني أنه تشكّل في إطار التحسّب لما قد تسفر عنه الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من تأثيرات على موازين القوى في المنطقة، خصوصاً إذا أدّت إلى انسحاب تدريجي وإلى تصفية القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.
ومن قائل إنه حلف يستهدف محاصرة “محور المقاومة” الذي تقوده إيران، مثلما استهدف “حلف بغداد” محاصرة المدّ القومي العربي الذي قادته مصر الناصرية في خمسينيات القرن الماضي، ما يعني أنه حلف تشكّل لخدمة المصالح الصهيو-أميركية في المنطقة.. إلخ. ولا شكّ أنّ ردود الأفعال التي من هذا النوع يغلب عليها الطابع الأيديولوجي، وبالتالي تبدو منحازة سياسياً إلى هذا المعسكر أو ذاك من المعسكرات المتصارعة أو المتنافسة في المنطقة.
غير أنني أعتقد أنّ التحالف الذي أسفرت عنه اتفاقية مكة هو تحالف ظرفي أملته التطوّرات المتسارعة في المنطقة، ما يعني أنّ تأثيره على موازين القوى في المنطقة أو على المسار الذي قد تسلكه الحرب الأميركية الإيرانية في المدى المنظور يكاد يكون منعدماً، ومن ثمّ يرحّح أن يكون تطوّره المستقبلي محكوماً بعاملين متداخلين؛ الأول: قابليّته لجذب أطراف إقليمية وازنة للانضمام إليه، والثاني: ما قد تسفر عنه الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران من تأثيرات على موازين القوى في المنطقة.
فإذا انتهت الحرب باستسلام النظام الإيراني أو انهياره فستنتفي الحاجة لتحالف مكة، لأنّ “إسرائيل” ستصبح الأقدر على قيادة النظام الإقليمي الجديد الذي سيبنى على أنقاض الدمار الذي خلّفته، خصوصاً وأنها لن تنسحب من غزة أو من الضفة أو من لبنان أو من سوريا، بل وسيكون بمقدورها في الوقت نفسه مدّ نفوذها إلى منطقة الخليج.
أما إذا انتهت الحرب بتسوية سياسية ترجّح كفّة المصالح الإيرانية، وهو ما سيحدث إذا اضطرت الولايات المتحدة للقبول بتسوية تستند إلى مذكّرة التفاهم وفقاً للتفسير الإيراني. أما إذا تحوّلت إلى حرب استنزاف طويلة المدى تتحكّم إيران في تحديد إيقاعها، من خلال تمكّنها من استمرار فرض سيطرتها المنفردة على مضيق هرمز، فستصبح الحاجة ماسّة في هذه الحالة إلى نظام أمني جديد في المنطقة، ما يعني أنّ التحالف الذي تمخّضت عنه اتفاقية مكة لن يستطيع التأثير على مجريات الأحداث في المنطقة إلّا إذا أصبح نواة لتحالف أوسع تشارك فيه مصر وإيران ودول أخرى في المنطقة، وإلّا إذا اتسع نطاق الأهداف التي يسعى لتحقيقها، لتشمل التصدّي للأطماع الإسرائيلية في المنطقة والسعي لتقديم ضمانات أمن متبادلة بين الدول الأعضاء كافة في هذا التحالف الإقليمي الموسّع، وليس للسعودية وحدها.
في سياق ما تقدّم، يمكن القول إنّ المنطقة ليست في حاجة إلى حلف جديد يتشكّل في مواجهة أحلاف أخرى في المنطقة، قائمة أو محتملة، وإنما هي في أمسّ الحاجة إلى نظام أمن إقليمي يتصدّى لمعالجة وتسوية كلّ الأزمات والقضايا المزمنة في المنطقة، وفي مقدّمتها الأزمة اليمنية والأزمة اللبنانية والأزمة العراقية والأزمة الليبية.
إضافة إلى إنهاء الانقسام الفلسطيني الذي أصبح استمراره يشكّل خطراً داهماً على القضية الفلسطينية، وينبغي أن تعالج هذه الأزمات بطريقة تساعد على قيام حكومات مركزية تعبّر عن كلّ المكوّنات السياسية والاجتماعية لشعوب الدول التي تعاني من هذه الأزمات، وأن تحظى هذه الحكومات بما يكفي من الثقة لتمكينها من احتكار السلاح وإنهاء ظاهرة الفاعلين من غير الدول التي تفشّت بسبب عجز بعض الدول والمجتمعات العربية عن القيام بوظائفها الأساسية، والحرص في الوقت نفسه على معالجة القضية الفلسطينية بالطريقة التي تساعد على تمكين الشعب الفلسطيني من الحصول على الحدّ الأدنى من حقوقه المشروعة.
قد يبدو هذا الطرح خيالياً أو مثالياً إلى حدّ بعيد، غير أنه يعدّ في حقيقة الأمر أكثر الحلول واقعية وعقلإنية إذا أمعنا النظر في تفاصيله. فعلى الجميع أن يدرك أنه سيكون من الصعب معالجة أزمات لبنان واليمن وفلسطين من دون انخراط إيراني فاعل في عملية البحث عن حلول أو تسويات سياسية لهذه الأزمات، وأن يدرك أيضاً أنه سيكون من الصعب معالجة الأزمة الليبية أو الأزمة الصومالية من دون مساهمة تركية نشطة.
ولا شكّ أنّ إقامة نظام أمن إقليمي تشارك فيه إيران ومصر والأردن وقطر، إلى جانب السعودية وتركيا وباكستان، أي الدول الموقّعة على اتفاقية مكة يمكن أن يساعد، من ناحية، على إخلاء المنطقة من القواعد العسكرية الأجنبية، وأن يساعد، من ناحية أخرى، على فرض تسوية تستجيب للحدّ الأدنى من الحقوق الفلسطينية، وهما شرطان لازمان لتحقيق أمن المنطقة واستقرارها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى