بيع أصول الدولة حل مؤقت للسيولة النقدية أم تفريط بالثروة الوطنية ؟

تحت ضغط الأزمة الاقتصادية
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
تواجه الحكومة العراقية تحديات مالية متزايدة في ظل تداعيات توقف أو تراجع الإمدادات النفطية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة ملف إدارة أصول الدولة وإمكانية طرح عدد من الشركات والممتلكات العامة للاستثمار أو البيع، في محاولة لتوفير السيولة ومعالجة الضغوط التي تواجه الإنفاق العام والالتزامات الأساسية.
وتأتي هذه التوجهات في وقت كشفت فيه الأزمة المالية عن هشاشة اعتماد الاقتصاد العراقي على الإيرادات النفطية، ومدى صعوبة مواجهة أي صدمة في هذا المورد من دون وجود قطاعات إنتاجية قادرة على توفير إيرادات بديلة، وبينما تنظر الحكومة إلى بيع بعض الأصول والشركات الخاسرة كأحد الخيارات المتاحة لتخفيف الأعباء المالية، يثير مختصون ومراقبون مخاوف من تحول هذه الخطوة إلى معالجة مؤقتة لأزمة هيكلية أعمق.
ويرى المختصون أن عددا من شركات وزارة الصناعة كانت تمثل في مراحل سابقة ركائز مهمة للاقتصاد العراقي، خصوصاً في الصناعات الكهربائية والبتروكيمياويات والزجاج والمنتجات الغذائية والجلود وغيرها، إلا أن تراجع الاهتمام بالقطاع الصناعي وغياب التحديث وضعف الحماية للمنتج المحلي، بالتزامن مع توسع الاستيراد، أدت إلى تراجع قدرتها التنافسية وتوقف أو انخفاض إنتاج العديد منها.
ويشير المختصون إلى أن معالجة خسائر هذه الشركات لا ينبغي أن تبدأ بالبيع، بل بتشخيص أسباب تراجعها، وإعادة هيكلتها وتحديث خطوطها الإنتاجية وتهيئة بيئة تشريعية واقتصادية تحمي المنتج الوطني وتمنحه القدرة على المنافسة، فالشركة الخاسرة اليوم قد تتحول إلى أصل منتج ومصدر للإيرادات إذا توافرت لها الإدارة الكفوءة والاستثمار والتكنولوجيا والأسواق المناسبة.
وأكدوا أن أصول الدولة لا تقتصر على ممتلكات يمكن تحويلها إلى أموال نقدية، وإنما تمثل تراكمات استثمارية واقتصادية تشكلت على مدى عقود من الإنفاق العام، وتشمل الشركات الصناعية والخدمية والأراضي والعقارات والبنى التحتية والمرافق العامة، فضلا عن الأصول ذات الطابع الاستراتيجي.
وبحسب هذه الرؤية، فإن قرار بيع أي أصل حكومي ينبغي أن يخضع لدراسة اقتصادية دقيقة تحدد قيمته الحقيقية، وإيراداته المستقبلية، وأهميته الاستراتيجية، والجدوى من الاحتفاظ به أو نقله إلى القطاع الخاص، فضلا عن ضمان وجود آليات شفافة للمنافسة والتقييم ومنع بيع الأصول بأقل من قيمتها الفعلية.
وتشير تجارب دولية إلى أن الخصخصة يمكن أن تسهم برفع الإنتاجية وتحسين الإدارة وجذب الاستثمارات عندما تأتي ضمن برنامج إصلاحي متكامل، إلا أن تحويلها إلى وسيلة لسد العجز وتمويل النفقات التشغيلية قد يجعلها حلاً مؤقتاً لا يعالج أصل المشكلة، خصوصا إذا لم تترافق مع إصلاحات مالية وإدارية وإنتاجية واسعة.
وفي ذات السياق أكد المهتم بالشأن الاقتصادي ضياء الشريفي في حديث لـ”المراقب العراقي” أن استخدام حصيلة بيع الأصول لتمويل الرواتب أو النفقات الاستهلاكية قد يوفر للحكومة سيولة آنية، لكنه في المقابل يحرم الدولة من إيرادات مستقبلية محتملة، ما لم توجه الأموال المتحصلة إلى استثمارات منتجة قادرة على خلق مصادر جديدة للدخل.”
وأضاف أن “بيع الشركات الصناعية والزراعية من دون رؤية تنموية واضحة قد يضعف فرص العراق في بناء قطاعات إنتاجية بديلة للنفط، في وقت تمتلك فيه البلاد موارد بشرية وخبرات وإمكانيات طبيعية يمكن توظيفها لإعادة بناء قاعدة صناعية وزراعية قادرة على دعم الاقتصاد الوطني”.
ولفت الى أن “شعار تنويع مصادر الدخل ظل حاضرا في البرامج الحكومية والخطط الاقتصادية لسنوات، إلا أن هذه الازمة عرَّتْ هذه الشعارات وتهاوت أمام قلة السيولة النقدية” مبينا أن “غياب الرؤية الاقتصادية جعلت القرارات الحكومية في حالة من التخبط والعشوائية للبحث عن حلول مؤقتة لتجاوز هذه الازمة حتى لو كانت على حساب ثروات البلاد الوطنية”.
وبذلك يبقى ملف بيع أصول الدولة أمام اختبار اقتصادي ومالي حاسم، فنجاحه لا يقاس بحجم الأموال التي تدخل خزينة الدولة في المدى القصير، وإنما بقدرته على معالجة الاختلالات الهيكلية، وتحويل الأصول المتعثرة إلى مشاريع منتجة، وخلق مصادر دخل مستدامة، مع الحفاظ على الأصول الاستراتيجية ومنع تحول الخصخصة إلى وسيلة لتصفية ممتلكات الدولة تحت ضغط الأزمة المالية.



