اراء

اليمن من فك الحصار إلى إعادة تشكيل المعادلات الإقليمية

بقلم: جهاد حيدر..

لا يمكن اختزال التحولات التي يشهدها اليمن في بعدها العسكري، ولا قراءتها فقط من زاوية انعكاساتها على الصراع الأمريكي ـ الإيراني أو على السعودية و”إسرائيل”. فقبل كل هذه الأبعاد، ثمة بعد يمني أصيل يتعلق بتطلعات شعب عاش سنوات طويلة من الحرب والحصار والضغوط الخارجية، ويسعى إلى تثبيت استقلاله وسيادته والتحرر من القيود التي كبّلت اقتصاده وحركته ومنافذه، وإلى امتلاك القدرة على تقرير موقعه ودوره بنفسه.

ومن هذه الزاوية، تكتسب التطورات في الساحل الغربي وباب المندب دلالة تتجاوز السيطرة على الجغرافيا. فبالنسبة إلى أنصار الله التي تقود هذه المواجهة، تشكل السيطرة على الأرض والمنافذ البحرية جزءًا من معركة أوسع لإعادة امتلاك عناصر القوة الوطنية، ومنع تحويل الموقع الجغرافي الاستثنائي لليمن إلى مصدر ضعف أو أداة تستخدمها القوى الخارجية للضغط عليه. والطموح الذي يبرز خلف ذلك لا يقتصر على فك الحصار، بل يتصل أيضًا بالسعي إلى الانتقال باليمن من بلد تتصارع القوى الإقليمية والدولية على أرضه إلى بلد مستقل وحر ومقاوم. ومن خلال ذلك القدرة على التأثير في محيطه.

وهنا تحديدًا تظهر أهمية التحول الجاري. فاليمن يمتلك منذ القدم موقعًا استراتيجيًا استثنائيًا، لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع القوة. الجديد هو اقتران هذه الجغرافيا بقدرات صاروخية ومسيّرات وخبرة عسكرية متراكمة وإرادة لاستخدام عناصر القوة خارج الحدود. وبذلك يصبح باب المندب والساحل الغربي جزءًا من معادلة أوسع يستطيع اليمن من خلالها السعي إلى حماية مصالحه ورفع كلفة الضغوط المفروضة عليه، وفي الوقت نفسه فرض نفسه طرفًا لا يمكن تجاوزه في الترتيبات الإقليمية المقبلة.

ومن هذا البعد اليمني الداخلي تنطلق المفاعيل الإقليمية الأوسع، وأولها ما يتعلق بالحرب الأمريكية ـ الإيرانية. فصعود اليمن كقوة قادرة على التأثير في باب المندب يوسع جغرافيا المواجهة. فإذا كان مضيق هرمز يمثل إحدى أهم نقاط الضغط في أي صِدام واسع مع إيران، فإن باب المندب يضيف عقدة استراتيجية ثانية عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. وبذلك تصبح الولايات المتحدة وحلفاؤها أمام مساحة بحرية واستراتيجية أكثر اتساعًا، تمتد من الخليج وهرمز إلى خليج عدن والبحر الأحمر. وبذلك يتحول كل من الطرفين إلى قوة مضاعفة لقوة الآخر في عملية تعاضد وتكامل.

أما المسار الثاني أي الطاقة والممرات البحرية، فهو المجال الذي تتحول فيه الجغرافيا اليمنية إلى عنصر قوة استثنائي. فهرمز وباب المندب عقدتان أساسيتان في شبكة الطاقة والتجارة الممتدة من الخليج والمحيط الهندي إلى البحر الأحمر وقناة السويس. وكلما تعرض هرمز للضغط ارتفعت قيمة البحر الأحمر، وكلما ازدادت قدرة اليمن على التأثير في باب المندب ارتفعت بالتالي قدرته على التأثير في حسابات قوى تفوقه اقتصاديًا وعسكريًا.

وهذه المعادلة تمنح اليمن ورقة يمكن أن تكون لها وظيفة دفاعية أيضًا: فالدولة أو القوة التي تستطيع التأثير في مصالح الآخرين تصبح أكثر قدرة على رفع كلفة حصارها أو عزلها أو محاولة إخضاعها. ومن هنا يمكن النظر إلى باب المندب، من منظور يمني، ليس فقط باعتباره أداة ضغط إقليمية، بل باعتباره أحد عناصر منع إعادة إنتاج الحصار بشروطه السابقة. ونقطة القوة في هذه المسألة أن المصالح الوطنية اليمنية تعزز موقع قوة محور المقاومة في المعادلة.

ويظهر المسار الثالث في العلاقة مع السعودية. فقد تعاملت الرياض تأريخيًا مع اليمن باعتباره جزءًا حساسًا من مجالها الأمني الجنوبي. فحرصت على إخضاعه على الدوام والتحكم بمصيره. أما تعاظم القدرات العسكرية اليمنية، بالتوازي مع الحضور على البحر الأحمر، فيدفع باتجاه علاقة مختلفة يصبح فيها على السعودية أن تأخذ المصالح والقدرات اليمنية في حساباتها.

ولا يعني ذلك قيام توازن شامل بين الطرفين؛ فالفارق في الموارد والاقتصاد والقدرات التقليدية كبير. لكن التوازن الاستراتيجي لا يشترط التساوي في كل عناصر القوة. فإذا امتلك الطرف الأضعف القدرة على تهديد مصالح شديدة الحساسية للطرف الأقوى، يصبح قادرًا على تقييد جزء من خياراته. وهنا تكمُنُ إحدى النتائج التي يمكن أن يسعى إليها اليمن: الانتقال من موقع البلد الذي تتقرر بشأنه السياسات الإقليمية إلى طرف ينبغي التفاوض معه وأخذ مصالحه في الاعتبار.

أما العدو “الإسرائيلي”، فتتجمع عنده مفاعيل المسارات السابقة. فهو يواجه قدرة صاروخية ومسيّرات يمنية تستطيع الوصول إلى أراضيه، وفي الوقت نفسه يواجه تحديًا بحريًا يتعلق بالطريق المؤدي إلى إيلات عبر باب المندب. وإلى ذلك يضاف أثر أكثر اتساعًا: كل زيادة في قدرة اليمن على فرض نفسه إقليميًا، وكل قيد إضافي على حرية الحركة السعودية، وكل تعقيد في أمن البحر الأحمر، يضيف عنصرًا جديدًا إلى البيئة الاستراتيجية التي تتحرك “إسرائيل” ضمنها.

وهنا يصبح البعد اليمني مرتبطًا أيضًا بتصور أوسع لدوره في قضايا المنطقة. فجزء من الخطاب السياسي الذي تتبناه قيادة أنصار الله يقوم على أن تحرر اليمن واستقلال قراره لا ينفصلان عن تبنيه قضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية ومواجهة “إسرائيل”. ومن ثم فإن القوة التي يطمح اليمن إلى امتلاكها لا تُطرح، ضمن هذا التصور، باعتبارها قوة لحماية الداخل فقط، وإنما أيضًا باعتبارها وسيلة للحصول على دور وتأثير إقليميين.

وهكذا تتكامل الدوائر بدل أن تتعارض: التحرر من الحصار يعزز الاستقلال، والاستقلال يحتاج إلى قوة تحميه، والقوة المقترنة بالموقع الجغرافي تنتج نفوذًا، والنفوذ يمنح اليمن دورًا إقليميًا أكبر.

وعليه، فإن التحول الجاري لا يتعلق فقط بإضافة جبهة جديدة إلى جبهات المنطقة، بل باحتمال انتقال اليمن نفسه من ساحة للصراع إلى أحد صانعي معادلاته. وهذا ربما يكون الطموح اليمني الأبعد مدى: ألا يكون موقعه الجغرافي سببًا لاستباحته أو حصاره، بل مصدرًا لاستقلاله وقوته ودوره. وإذا نجح في تثبيت ذلك، فستكون المنطقة أمام تحول يتجاوز نتائج الحرب الراهنة إلى إعادة تشكيل جانب من موازين القوة الممتدة من الخليج وهرمز إلى باب المندب والبحر الأحمر، وهي تحولات تفرض على “إسرائيل” بدورها التعامل مع بيئة إقليمية أكثر تعقيدًا وتعددًا في مصادر القوة والضغط.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى