كيف تحولت زيارة الأربعين إلى أكبر نموذج إنساني خارج معادلات السوق؟

مصطفى ملا هذال…
في عالم تحكمه الأرقام، وتُقاس فيه قيمة الخدمات بحجم الأرباح والعوائد المالية، تبرز زيارة الأربعين بوصفها ظاهرة استثنائية تتحدى المفاهيم الاقتصادية التقليدية، وتقدم نموذجاً مختلفاً يقوم على العطاء المجاني والتكافل الاجتماعي والعمل التطوعي واسع النطاق.
فخلال أيام الزيارة تتحول المدن والطرق المؤدية إلى كربلاء إلى شبكة متكاملة من الخدمات التي تُقدَّم لملايين الزائرين دون مقابل، لتشكل ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الخدمة المجانية”، وهو اقتصاد يقوم على ثقافة البذل والإيثار والمسؤولية المجتمعية.
هذا النموذج يثير اهتمام الباحثين في الاقتصاد والاجتماع والإدارة، لأنه يقدم تجربة عملية لإدارة موارد ضخمة وتقديم خدمات متنوعة لملايين الأشخاص دون وجود عقود تجارية أو إلزام قانوني، مع قدرة لافتة على الاستمرار والتجدد عاماً بعد آخر.
فما هو اقتصاد الخدمة المجانية؟
اقتصاد الخدمة المجانية هو نظام يعتمد على توفير السلع والخدمات دون مطالبة المستفيد بأي مقابل مالي، مع اعتماد مصادر التمويل على التبرعات الفردية والمبادرات المجتمعية والجهود التطوعية، وفي هذا النموذج يتحول الإنسان إلى محور العملية الاقتصادية، وتصبح الخدمة قيمة أخلاقية واجتماعية تعكس ثقافة المجتمع وتضامنه.
وخلال زيارة الأربعين، تتجسد هذه الفكرة بصورة واضحة، حيث تنتشر آلاف المواكب التي تقدم الطعام والشراب والإقامة والعلاج والإرشاد والنقل وخدمات النظافة والإسعاف والصيانة، وكلها تقدم بصورة مجانية، ويشارك في تقديم هذه الخدمات أفراد وعائلات ومؤسسات وهيآت مختلفة، يجمعهم هدف واحد يتمثل في خدمة الزائرين، دون انتظار عائد مادي.
ما يميز هذا الاقتصاد أنه لا يعتمد على ميزانية مركزية واحدة، ولا على مؤسسة واحدة تدير جميع التفاصيل، فكل موكب يمثل وحدة إنتاج وخدمة مستقلة، تعتمد على مواردها الذاتية، وتتعاون مع غيرها بصورة تلقائية، لتشكيل منظومة كبيرة تتكامل فيها الأدوار.
هذه المرونة تمنح التجربة قدراً كبيراً على الاستمرار، لأنها تعتمد على المشاركة المجتمعية الواسعة، وليس على جهة واحدة قد تتأثر بالظروف الاقتصادية أو الإدارية.
ومن أبرز الدروس التي تقدمها زيارة الأربعين، أن رأس المال ليس ماليا فقط، فهناك رأس مال اجتماعي يتمثل في الثقة بين أفراد المجتمع وروح التعاون، والاستعداد للتطوع، والالتزام بالقيم المشتركة.
فالطبيب الذي يخصص أياماً لتقديم العلاج المجاني، والطاهي الذي يقضي ساعات طويلة لإعداد الطعام، والشاب الذي ينظم حركة السير، والمرأة التي تشارك في إعداد الوجبات، جميعهم يمثلون عناصر إنتاج حقيقية داخل هذا الاقتصاد، مع اختلاف الدافع الذي يحركهم، حيث يكون الدافع الإنساني والديني والاجتماعي أكثر حضوراً من الدافع المادي.
ومن الجوانب المهمة في اقتصاد الخدمة المجانية، أن عملية توزيع الموارد تتم بدرجة كبيرة من المرونة، فالمواكب تتفاعل مع حجم الحاجة بصورة مستمرة، وتعيد توجيه الموارد حسب كثافة الزائرين، مع وجود تعاون واضح بين أصحاب المواكب لتبادل المواد الغذائية أو المعدات أو الكوادر عند الحاجة، الأمر الذي يقلل من الهدر ويرفع كفاءة الاستفادة من الموارد المتاحة.
ومن النتائج المهمة لهذا النموذج أنه يعزز مفهوم المسؤولية الاجتماعية، فالفرد يرى أنه شريك في خدمة المجتمع، وقد يشارك شخص بتوفير الطعام، بينما يقدم آخر وسيلة نقل، ويتكفل ثالث بتوفير الأدوية، ويسهم رابع في تنظيف الطرق أو تنظيم حركة الزائرين، وبهذه الصورة تتحول المسؤولية إلى ثقافة عامة تشمل مختلف فئات المجتمع.
كما تعلمنا زيارة الأربعين، أن الاقتصاد لا يرتبط دائما بالمنافسة، فقد يحقق التعاون نتائج أكثر استدامة في بعض الظروف، فالمواكب تتنافس على تحقيق الأرباح وتسعى جميعها إلى تلبية احتياجات الزائرين، الأمر الذي يخلق حالة من التكامل، حيث تتوزع الخدمات بصورة طبيعية على امتداد الطرق والمناطق المختلفة.
وتبرز كذلك أهمية الثقة بوصفها عاملاً اقتصادياً مؤثراً، فالمتبرعون يقدمون أموالهم وموادهم الغذائية وهم على يقين بأنها ستصل إلى مستحقيها، والمتطوعون يكرسون وقتهم وجهدهم بثقة متبادلة مع المجتمع، والزائر يعتمد على وجود الخدمات دون الحاجة إلى ترتيبات مالية مسبقة، هذه الثقة تختصر كثيرا من الإجراءات الإدارية، وتخفض تكاليف التعامل، وتزيد من سرعة تقديم الخدمات.
ولا يعني اقتصاد الخدمة المجانية غياب التخطيط أو الإدارة، فنجاح هذه التجربة يرتبط بحسن تنظيم الموارد وتوزيع الأدوار، والاستعداد المسبق والتنسيق بين الجهات الرسمية والمجتمعية، لهذا السبب استطاعت الزيارة أن تستوعب أعداداً كبيرة من الزائرين عاماً بعد آخر، مع استمرار تطوير الخدمات وتحسين جودتها.
تقدم زيارة الأربعين نموذجاً اقتصادياً واجتماعياً فريداً يعيد تعريف مفهوم الخدمة، ويؤكد أن المجتمعات تمتلك طاقات هائلة عندما تتحد حول هدف مشترك، ومن هنا يصبح “اقتصاد الخدمة المجانية” أكثر من مجرد وصف لواقع مؤقت، فهو مدرسة عملية تقدم دروساً عميقة في الإدارة والاقتصاد والتنمية المجتمعية.



