بين الفاسدين الصغار وغضب الكبار

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي..
يبدو أن الأرض في العراق لم تعد تُخبئ النفط وحده بل أصبحت خزينة للمليارات المنهوبة من المال العام وسبائك الذهب وصولا الى الملابس الداخلية الذهبية من عيار 24 ، كل يوم نستيقظ على خبر جديد ، ليس عن اكتشاف حقل نفطي بل عن اكتشاف حفرة مليئة بالدولارات أو جدار منتفخ يُخفي سبائك الذهب أو سقف مستعار يخزن ثروة تكفي لإعمار مدينة كاملة .. كل يوم يكشف لنا الحرامي المعتقل عدنان الجميلي عن مخابئ جديدة وعجائب جديدة في عالم الفساد فمن قناني الماء المعبأة بأوراق نقدية الى العبوات والحقائب وصولا الى صناديق تحولت الى (قاصات) للأموال المسروقة بأيدي أمهر الفاسدين من المسؤولين ومن كلا الجنسين . يبدو أن صولة الفجر فتحت باب مغارة” علي بابا” بأكملها . كلما نام الجميلي واستيقظ تذكر صاحبا جديدا ومخبأ جديدا ولا يفصح الجميلي عن الكلام المباح إلا عند إطلالة الصباح ليتذكر مخبأً آخرَ فتأتي ليلة أخرى ليفصح عن خزنة أخرى تحت الأرض وأخرى فوق الأرض وبين طبقات الجدران خزنة وسبائك ذهب في مزرعة أخرى . لا ندري إذا ما استمر التحقيق أسبوعا آخر فقد يعترف بأن بعض أرصفة بغداد تُخفي احتياطيا نقديا ينافس احتياطي بعض الدول ! لتكتمل رواية العجائب في بغداد الف ليلة وليلة . لقد اكتشف العراقيون أخيرا أن الخرائط الجيولوجية كانت ناقصة فهي تحدثت عن طبقات النفط والغاز لكنها نسيت أن تشير إلى طبقة جديدة اسمها طبقة أصحاب المعالي الفاسدين وهي أغنى من كل الطبقات الطبيعية . عشرات الكيلوغرامات من سبائك الذهب بل إن الروايات تقول إن بعضهم لم يعد يكتفي بالساعات الذهبية أو الأقلام المطلية بل إن البذخ بلغ حدا جعل حتى الملابس الداخلية تُنسج من خيوط الذهب الخالص . لقد تحول المال العام عند الفاسدين إلى استعراض للترف الفاحش والعهر المعلن بينما ملايين المواطنين يبحثون عن فرصة عمل أو دواء أو كهرباء لا تنقطع . الأكثر إثارة للدهشة ليس حجم الأموال بل حجم الأعذار فما إن تبدأ التحقيقات حتى تبدأ الأمراض الموسمية. فهذا اللص مريض ومصاب بالسّكري وذاك مصاب بارتفاع الضغط والثالث كبير في السن يعاني خللا في نبض القلب وفاسد آخر يخرج من السجن بكفالة لأن رئيس كتلته السياسية المؤمن جدا غاضب جدا و(زعلان) جدا !!!. وكأن العدالة أصبحت تحتاج إلى موافقة مكاتب للشؤون الحزبية . مهزلة الفاسد المبجل نور زهير تتكرر والمشهد كله يصلح لمسرحية عبثية . القاضي يحقق والشرطة تفتش والشعب يصفق ثم يأتي هاتف ما أو رسالة ما أو تفاهم وطني ما فتستر العيوب وتغفر الذنوب وتغدو الأمور بالمقلوب !! الطريف الغريب العجيب أن أغلب هؤلاء الفاسدين مع سبق الإصرار كانوا يحدثون الناس عن النزاهة والشرف والوطنية والوطن ويطالبون المواطنين بالتقية والصبر .!!! ويبقى السؤال الذي يؤرق العراقيين كم فاسدا كبيرا ولصا كبيرا ومخبأ كبيرا لم يُكشف عنه حتى الآن ؟ كم جدارا ما زال منتفخا ؟ كم حفرة مدفونة تُخفي تحتها ثروة ؟ وكم مسؤولا لم يستيقظ بعد ليتذكر ضميره المأسور عنوان المخبأ التالي ؟ كم فاسدا كبيرا لم يزل يتمتع بالحصانة يصول ويجول ويقول في مفاهيم العدل والإنصاف ما يقول ؟ العراقيون لا يريدون بطولة إعلامية عابرة ولا بيانات نارية تنتهي بانطفاء الكاميرات . يريدون أن يروا المال العام يعود إلى أصحابه ويؤثر في المستوى المعاشي والخدمي للناس . يريدون أن تكون العدالة أقوى من حصانة اللصوص وأعلى من زعامة أشباه الرجال وأثقل من نفوذ المال وأصحاب المال .



