أي مسرح نريد؟

عبد الخالق كيطان..
أقصد في سؤال العنوان: نحن. الجمهور الكبير الذي يحضر عروض مهرجانات المسرح هنا وهناك. وهو جمهور لم يفاجئني على الإطلاق في مهرجان بغداد الدولي للمسرح العام الماضي، لأنني كنت أحضر مهرجانات المسرح في بغداد قبل أن انقطع عنها بعد خروجي من العراق. وها أنا أعود لأرى كثافة الحضور ذاته. لا عجب. الجمهور العراقي يعشق المسرح. مسرح المهرجانات مسرح نخبوي. تزدحم قاعات العروض بالشباب، خاصة من طلبة الكليات والمعاهد المتخصصة، وهو حتما دليل عافية، بالرغم من سلوكيات فردية، وجماعية، مستهجنة تحدث أحيانا.
ولكن في هذا المهرجان، وبعد بدء العروض بزمن، تبدأ مجاميع من المشاهدين بمغادرة الصالة. في بعض الأحيان بدا الأمر مدبرا! ربما. ولكنها ظاهرة يجب أن نقرأها. يزدحم الجمهور على باب المسرح قبل بدء العرض ثم ينسحب بعد فترة من تدفق العرض على الخشبة.
الموضوع يحتمل أن يكون مجرد خفّة أو أن يكون العرض بعيدا عن خطط المتلقي وقد يكون السبب في فهم جملة السؤال: ماذا نريد من المسرح؟ وهو سؤال على أهل الخشبة وأهل الصالة الجواب عليه.
من الواضح أن المسرح بدأ يفقد جمهوره لصالح جمهور النخبة. وجمهور النخبة جمهور حاد ومزاجي جدا. كان المخرج العراقي الراحل عوني كرومي قد أجاب عن سؤال صحفي وجه اليه حين إقامته في ألمانيا، والتي رحل فيها، عن أصعب جمهور مسرحي واجهه فقال انه الجمهور العراقي. ولقد صدق كرومي.
جمهور النخبة العراقي حاد جدا، وصعب المراس. ومن المؤكد أن ذلك ينسحب على صناع العروض، فهم جمهور نخبة في يوم آخر!
شخصيا أميل إلى الرأي القائل بأن جمهورنا تأثر بشكل مباشر بالظروف المتقلبة، والخطيرة، التي عشناها خلال حوالي قرن من الزمان. وهو قرن يشبه قلادة رعب من عقود، كل عقد يحمل معه ما يدفع إنساننا الى التأزم أكثر وأكثر. وانعكس ذلك كله على شخصية الفرد العراقي بشكل عام.
من المؤسف أننا ذهبنا بقوة الى أقصى يسار التجريب واكتفينا بذلك، بل إننا حكمنا على كل عرض خارج هذا التوصيف بوصفه عرضا عاديا. لقد أهملت الحكاية، وهي أصل المسرح. ثم أهملت الشخصية، الزمان والمكان، الحدث والفعل والتصاعد الدرامي. أهملت الموسيقى، الازياء والديكور والإضاءة. كل هذه المصطلحات صارت مجلبة للعار. ولا أدري كيف يمكن القفز على هذه الأساسيات وبالتالي نريد من الجمهور أن يصفق للعرض باحترام؟.



