إذا سقطت إيران سقط العرب والمسلمون

بقلم: زهير حليم أندراوس..
أولاً في خِضَمِّ كلّ أزمةٍ تعصف بالمنطقة، ترتفع سقوف التوقعات من الدول العربيّة والإسلاميّة، لكن الواقع السياسيّ يرسم حدودًا لا يمكن تجاهلها، فتحليل ما يجري في منطقة الشرق الأوسط يجِبْ أنْ يتسّم بالواقعيّة السياسيّة، لا أنْ يعتمِد على (Wishful thinking)، أيْ التفكير الرغائبي أو التفكير القائم على الأمنيات، وهو أسلوب في التحليل أو صنع القرار يعتمد على ما يتمنّى الشخص أو الدولة أنْ يحدث، لا على ما تشير إليه الوقائع والمعطيات، وفي العلاقات الدولية يُستخدم المصطلح غالبًا بصورةٍ نقديةٍ، لوصف سياساتٍ أوْ تقديراتٍ تتجاهل الحقائق الموضوعيّة لصالح الآمال أو التوقعات غير المدعومة بالأدلّة.
ثانيًا، بناءً على ما تقدّم، فإنّ الخلاف مع النظام الحاكم في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، لا يسمح لهذا أوْ ذاك بإلقاء التهم على عواهنها، فالحقيقة الواضحة كالشمس تؤكِّد لكلّ مَنْ في رأسه عينان، أنّ الولايات المُتحدّة الأمريكيّة ووكلاءها في الشرق الأوسط، يعملون دون كللٍ أوْ مللٍ على إسقاط النظام في طهران، لأنّه الحصن الأخير أمام بسط واشنطن سيطرتها الكاملة على المنطقة بأسرها، والتحكّم بمجريات الأمور، ناهيك عن الأرباح الماليّة التي ستجنيها هذه القوّة العظمى من نهب ثروات هذا البلد، وهزيمة إيران ستُعيد لإسرائيل النازفة على كلّ الجبهات قوّة الردع المتآكلة، وستمنحها مكانةً إستراتيجيّةً مهمّةً في المنطقة. وَوَجَبَ التذكير في هذه العُجالة أنّ الكولونياليّة (أو الاستعماريّة) هي سياسةٌ تهدف إلى بسط السيطرة السياسيّة والاقتصاديّة والهيمنة الثقافيّة من قبل دولةٍ ما على مناطق أوْ شعوبٍ أخرى، وتسعى هذه الممارسة إلى استغلال الموارد الطبيعيّة والبشريّة لصالح الدولة المُستعمِرة، وغالبًا ما تتضّمن فرض لغتها وثقافتها.
ثالثًا، تقوم الولايات المُتحدّة منذ أسبوعٍ بقصف مراكز حيويّةٍ في إيران، ونفذت القوات الأمريكيّة جولةً من الضربات الجويّة الدقيقة التي أسفرت عن تدمير خمسة جسورٍ إستراتيجيّةٍ ورئيسيّةٍ جنوبي إيران لقطع خطوط الإمداد العسكريّة وشلّ حركة النقل، وجاءت هذه الهجمات في إطار اتساع رقعة المواجهة العسكريّة وبدء واشنطن بما يُعرف إعلاميًا بـ “حرب الجسور” أو استراتيجية “تمزيق الأوصال” لعزل المناطق الجنوبيّة والموانئ الحيويّة المطلة على مضيق هرمز، وغنيٌّ عن القول والفصل إنّ هذه الضربات تُعتبر بحسب القانون الدوليّ جرائم حربٍ ضدّ دولةٍ سياديّةٍ، ولكن في عالمٍ يحكمه مَنْ يُوصَفْ بالمختّل عقليًا، أيْ دونالد ترامب، لا يُحرّك العالم ساكنًا، لأنّنا بتنا قاب قوسيْن أوْ أدنى من تطبيق قانون الغاب.
رابعًا، في ظلّ هذا العدوان الإجراميّ تقِف الدول العربيّة والإسلاميّة موقف المُتفرِج الجالس ليس على دكّة الاحتياط، بلْ في المقاعد الخلفية من الإستاد. فتركيّا، مهما ارتفع خطابها السياسيّ، تبقى عضوًا في حلف شمال الأطلسيّ (الناتو)، وتتحرّك ضمن شبكةٍ واسعةٍ من الالتزامات والمصالح مع الغرب. ومصر ترتبط منذ عقودٍ باتفاقية كامب ديفيد التي شكّلت إطارًا لعلاقاتها الإقليميّة والدوليّة. والأردن تحكمه معاهدة وادي عربة، بينما تعمل السلطة الفلسطينيّة ضمن الالتزامات التي أفرزها اتفاق أوسلو المشؤوم.
خامسًا، أمّا الدول التي اختارت مسار التطبيع مع إسرائيل، فقد دخلت في (اتفاقيات أبراهام) برعايةٍ وضماناتٍ أمريكيّةٍ، وهو ما أوجد شبكةً جديدةً من الالتزامات السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة. وهذه الدول: الإمارات العربيّة المتحدّة والبحرين والسودان والمغرب، لم تتخِّذ أيّ خطوةٍ على الرغم من حرب الإبادة التي تشُنّها إسرائيل ضدّ الفلسطينيين في قطاع غزّة، لا بلْ الأدهى من ذلك، أنّ علاقاتها مع دولة الاحتلال شهدت قفزةً إيجابيّة في جميع النواحي.
سادسًا، وللتدليل على عمق الأزمة العربيّة-الإسلاميّة في قضية الـ “صراع” مع إسرائيل تكفينا الإشارة إلى ما يجري في سوريّة “الجديدة” بعد سقوط النظام السابِق بقيادة بشّار الأسد، إذْ تُكرّر السلطات السوريّة الانتقاليّة توجيه الاتهام لحزب الله، بتوقيتٍ لافتٍ يتزامن مع تكرار الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب طلبه من الرئيس الانتقاليّ الجولاني التدخّل ضد الحزب، عوضًا عن الإسرائيليين، كما أنّ وزارة الداخليّة السوريّة الانتقاليّة وصفت عبر قناتها على (تلغرام) ضمن نفس البيان حزب الله، بـ “ميليشيا حزب الله الإرهابيّة”، فهل هذه التصريحات جاءت لإرضاء السيّد الأمريكيّ الأبيض وزبانيته في الشرق الأوسط وتوطئةً لإشعال فتيل الحرب بين سوريّة وحزب الله؟
سابعًا، لذلك، فإنّ انتظار موقفٍ عربيٍّ أوْ إسلاميٍّ موحدٍ يتجاوز هذه الارتباطات قد يكون أقرب إلى الأمنيات منه إلى قراءةٍ واقعيّةٍ لموازين القوى. فالدول، في نهاية المطاف، لا تتحرّك بالعواطف، بل بالمصالح والاتفاقيات والتحالفات التي ارتضتها لنفسها. واليوم بات جليًّا أنّ الدول العربيّة والإسلاميّة، إنْ كان سرًا أوْ علانيةً، ارتضت لنفسها الرقص وفق موسيقى واشنطن، التي لا تُقيم وزنًا، لا للعرب ولا للمسلمين، في ظلّ غياب روسيا والصين، أو أكثر تحديدًا في ظلّ تغييبهما من أجندة النظم الحاكمة في الشرق الأوسط.
ثامنًا وأخيرًا، قد يختلف الناس في تقييم هذه الخيارات، فمنهم مَنْ يراها ضرورةً فرضتها الظروف، ومنهم مَنْ يعدّها قيودًا تحدّ من استقلال القرار السياسيّ. لكن فهم الواقع كما هو، لا كما نتمنى أنْ يكون، يبقى الخطوة الأولى لأيّ نقاشٍ جادٍّ حول مستقبل المنطقة، ومع ذلك نقول بألمٍ ومرارةٍ شديديْن إنّ هزيمة إيران ستؤدي إلى سقوط اللبنة الأخيرة فيما يُسمى الوطن العربيّ والعالم الإسلاميّ.



