في ذكرى استشهاده.. محطات من سيرة زيد بن الإمام زين العابدين “ع”

ملأ زيد الشهيد فم الدنيا بفضله وعلمه وإبائه، وهو أحد أعلام الأسرة النبوية الذين رفعوا كلمة الله عالية في الأرض، وقدموا أرواحهم قرابين خالصة لوجه الله ليحققوا العدالة الاسلامية، ويعيدوا بين الناس حكم القرآن، ويقضوا على معالم الظلم الاجتماعي التي أوجدها الحكم الأموي بين الناس.
وأخلص زيد في العبادة والإنابة لله، فكان من أبرز المتقين في عصره يقول عاصم بن عبيد العمري: «رأيته وهو شاب بالمدينة يذكر الله فيُغشى عليه، حتى يقول القائل ما يرجع الى الدنيا» وكان يُعرف عند أهل المدينة بحليف القرآن وقد أثر السجود بوجهه لكثرة صلاته طوال الليل لقد اتجه بعواطفه ومشاعره نحو الله، وسلك كل ما يقربه إليه زلفى.
علمه وأدبه
وكان زيد من علماء عصره البارزين ، وكان موسوعة في الحديث والفقه والتفسير واللغة والأدب ، وعلم الكلام ، وقد سأل جابر الإمام الباقر (ع) عن زيد فأجابه (ع) « سألتني عن رجل مُلِئ إيمانا وعلما من أطراف شعره الى قدمه.
وقال (ع) فيه: «إن زيدا أعطي من العلم بسطة» وقد تحدث زيد عن سعة علومه ومعارفه حينما أعد نفسه لقيادة الأمة، والثورة على الحكم الأموي، يقول:
“ والله ما خرجت ، ولا قمت مقامي ، هذا ، حتى قرأت القرآن ، وأتقنت الفرائض وأحكمت السنة والآداب ، وعرفت التأويل كما عرفت التنزيل ، وفهمت الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ، والخاص والعام ، وما تحتاج إليه الأمة في دينها مما لا بد لها منه ، ولا غنى عنه وأني لعلى بينة من ربي”.
لقد كان زيد من أعلام الفقهاء ومن كبار رواة الحديث، وقد أخذ علومه من أبيه الامام زين العابدين (ع) ومن أخيه الامام الباقر (ع) الذي بقر العلم حسبما أخبر عنه جده الرسول (ص) وقد غذياه بأنواع العلوم وأخذ عنهما أصول الاعتقاد والفروع والتفسير، فكان من الطراز الأول في فضله وعلمه.
وإن من أوهى الاقوال ما ذهب إليه بعض العلماء من أنه تتلمذ لواصل بن عطاء وأخذ عنه الاعتزال يقول: «أراد ـ يعني زيدا ـ أن يحصل الاصول والفروع حتى يتحلى بالعلم فتتلمذ في الاصول لواصل بن عطاء رأس المعتزلة مع اعتقاد واصل بأن جده علي بن أبي طالب (ع) في حروبه التي جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأصحاب الشام ما كان على يقين من الصواب، وأن أحد الفريقين منهما كان على خطأ لا بعينه فاقتبس منه الاعتزال.
أما هذا الرأي فلا يحمل أي طابع من التوازن والتحقيق فإن زيدا لم يقتبس علومه من واصل، وإنما أخذها من أبيه وأخيه اللذين أضاءا الحياة الفكرية والعلمية في الاسلام.
وقد استمد الفقهاء ورؤساء المذاهب الاسلامية علومهم مما أخذوه من أئمة اهل البيت (ع) أما مباشرة او من أحد تلامذتهم، فكيف يذهب زيد الى واصل لأخذ العلم عنه؟ ويذهب الشيخ أبو زهرة الى أن التقاء زيد بواصل كان التقاء مذاكرة وليس التقاء تلميذ عن استاذ فإن السن متقاربة، وزيد كان ناضجا … واضاف قائلا: إنه تلقى فروع الاحكام من أسرته، وفي المدينة مهد علم الفروع.
لقد أخذ زيد علومه من أبيه وأخيه، وكان من أعلام الفقهاء في عصره وقد روى عنه أبو خالد الواسطي مجموعة في الفقه تتناول العبادات والمعاملات اسماها (مسند الامام زيد) وقد ذكرنا ما يواجه هذا الكتاب من المؤخذات في دراستنا عن عقائد الزيدية.
أما مكانة زيد الأدبية فقد كان من الطراز الأول في الأدب والبلاغة وكان يشبه جده الامام أمير المؤمنين (ع) في فصاحته وبلاغته ويقول المؤرخون: إنه جرت بين زيد وبين جعفر بن الحسن منازعة في وصية فكانا إذا تنازعا انثال الناس عليهما ليسمعوا محاورتهما فكان الرجل يحفظ على صاحبه اللفظة من كلام جعفر ويحفظ الآخر اللفظة من كلام زيد فإذا انفصلا وتفرق الناس فيكتبون ما قالاه: ثم يتعلمونه كما يتعلم الواجب من الفرض والنادر من الشعر والسائر من المثل وكانا أعجوبة دهرهما وأحدوثة عصرهما وكان سيبويه يحتج بما أثر عن زيد من الشعر، ويستشهد به فيما يذهب إليه واعترف خصمه الطاغية هشام بقدراته الأدبية، وبراعته في الكلام فقال: «إنه حلو اللسان ، شديد البيان ، خليق بتمويه الكلام» وقد حفلت مصادر الأدب والتأريخ بالشيء الكثير من روائع حكمه وهي من غرر الكلام العربي.



