اراء

حين يصبح الغياب أداة قوة للسلطة.. قراءة في احتجاب مجتبى الخامنئي

بقلم: العميد محمد الحسيني..

منذ اختفاء مجتبى الخامنئي عن المشهد العام، انشغل الإعلام الغربي بالبحث عن تفسير تقليدي: هل هو مريض؟ هل أصيب؟ هل قُتل؟ أم أنه خسر صراعاً على السلطة؟ غير أن ثمة قراءة مختلفة تنطلق من فرضية أن الخطأ لا يكمُنُ في الإجابة، بل في السؤال نفسه. فهي ترى أن الغرب يحاول فهم الجمهورية الإسلامية من خلال النموذج السياسي الليبرالي، بينما تعمل الجمهورية الإسلامية في إيران وفق منطق سياسي وثقافي مغاير.

تنطلق هذه القراءة من أن معظم الأنظمة الحديثة تحتاج إلى حضور دائم لقائدها من أجل تجديد الشرعية وإظهار السيطرة. أما في الحالة الإيرانية، فإن الغياب لا يُنظر إليه بالضرورة بوصفه دليلاً على الضعف، بل قد يتحول إلى عنصر قوة ورمز للهيبة.

ولا تستند هذه الفرضية إلى تفسير ديني بقدر ما تعتمد على علم النفس الجمعي والثقافة السياسية. ففي الوعي الإسلامي وتحديداً المذهب الشيعي الإثني عشري، فإنّ الإمام الثاني عشر (المهدي المنتظر) هو حيّ لكنه مُغيَّب وسيظهر في آخر الزمان، وبالتالي تُعدّ عقيدة «الغيبة» جزءاً من الموروث الديني للشيعة عامةً.

وبذلك فإن فكرة وجود مرجعية رمزية أو قيادة بعيدة عن الحضور اليومي قد تجد في هذا السياق الثقافي والديني عناصر تساعد على فهم كيفية تقبّل الغياب السياسي، من دون أن يعني ذلك وجود تطابق بين المفهومين الديني والسياسي. ولا يعني ذلك أن مجتبى الخامنئي يُقدَّم بوصفه الإمام المهدي، وإنما إن آلية تقبّل وجود قائد بعيد عن الأنظار موجودة أصلاً في الوعي الجمعي الشيعي، وقد تجد السلطة في هذا الإرث الثقافي عناصر تساعدها على إدارة صورة القيادة ورمزيتها السياسية، من دون إعلان علاقة مباشرة بين المفهومين.

ومن هنا يصبح الغموض جزءاً من صناعة السلطة. فكلما قلّت المعلومات عن القائد، ازدادت الهالة المحيطة به، وتراجع الاهتمام بتفاصيل حالته الصحية أو مظهره أو نشاطه اليومي، لتحل محلها صورة أكثر رمزية وأقرب إلى الأسطورة السياسية. وفي هذا السياق، لا يعود الغياب علامة على الفراغ، بل يتحول إلى أداة لإنتاج الكاريزما.

وتذهب هذه القراءة إلى أن السلطة الفعلية في إيران ليست مرتبطة بالظهور الشخصي للقائد. فالحرس الثوري، ومكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، وسائر الأجهزة الأمنية والمؤسسات الاستراتيجية، لا تعمل بوصفها بدائل عن القيادة العليا، بل باعتبارها أدوات تنفيذ وتنسيق ضمن بنية دستورية وسياسية تمنح المرشد موقع القرار النهائي، من دون حاجة إلى حضور إعلامي مستمر. وهكذا يصبح الظهور مخاطرة أكثر منه ضرورة.

كما يمنح الغياب القيادة مرونة سياسية واستراتيجية إضافية. فإذا تعثرت مفاوضات أو فشلت سياسات حكومية، تتحمل المؤسسات التنفيذية المسؤولية المباشرة، فيما تبقى صورة القيادة العليا بعيدة عن النقد اليومي، بما يحافظ على رمزيتها ويمنع استنزافها في التفاصيل.

وتفسر هذه الرؤية أيضاً سبب سوء فهم الغرب لهذه الظاهرة. فالمحللون الغربيون ينطلقون عادة من فرضيات تعتبر أن اختفاء الشخصية الأقوى يعني بالضرورة المرض أو الاغتيال أو خسارة صراع السلطة، وأن الشرعية لا تستقيم إلا بالظهور الإعلامي المتكرر. غير أن هذه الافتراضات قد لا تنطبق بالكامل على أنظمة تستمد جزءاً من قوتها من الرمزية، وتعدد مراكز القرار، والفصل بين من يظهر أمام الجمهور ومن يمارس السلطة الفعلية.

ومن هنا، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا احتجب مجتبى الخامنئي عن الظهور؟ بل: هل يحتاج النظام الإيراني أصلاً إلى ظهوره كي يستمر في أداء وظائفه؟ ففعالية السلطة لا تُقاس دائماً بمدى حضور القائد أمام الجمهور، بل بقدرتها على إنتاج القرار والحفاظ على تماسك مؤسساتها.

ومن هذا المنظور، لا يقتصر أثر الغياب على الداخل الإيراني، بل قد يتحول إلى أداة ردع خارجية أيضاً. فكل ظهور علني قد يمنح الأمريكيين وحلفاءهم الإسرائيليين معلومات تتعلق بالحالة الصحية، والقدرة الجسدية، ونمط الحماية، وطبيعة دائرة القرار. أما استمرار الغياب، فيحرمهم من بعض هذه المعطيات، ويجبرهم على العمل في ظل مساحة أوسع من عدم اليقين.

وهنا يصبح الغموض جزءاً من معادلة القوة. فعندما لا يمتلك الخصم صورة كاملة عن طبيعة القيادة أو درجة مشاركتها في القرار، فإن هامش الخطأ في التقدير يرتفع، وهو عامل له أثر مباشر في الحسابات السياسية والعسكرية.

وانطلاقاً من هذا التصور، فإن المفاوض الحقيقي ليس بالضرورة الشخصية الغائبة، بل مؤسسات صنع القرار في الجمهورية الإسلامية. فالرئيس والحكومة يتوليان الواجهة الدبلوماسية، بينما يحدد المجلس الأعلى للأمن القومي الإطار الاستراتيجي، ويرسم الحرس الثوري السقوف الأمنية والعسكرية، في حين تبقى المصادقة النهائية على القرارات الكبرى لدى القيادة العليا.

ويحقق هذا النموذج هدفين: حماية موقع القيادة العليا من تحمل كلفة التنازلات المحتملة إذا تعثرت المفاوضات، ومنح الفريق المفاوض هامشاً أوسع من الحركة دون المساس بصورة رأس النظام.

أما على المستوى الداخلي، فإن هذه القراءة لا تفترض أن جميع الإيرانيين مقتنعون بالرواية الرسمية. فالمهم بالنسبة لأي نظام سياسي ليس فقط مستوى الاقتناع، بل قدرة مؤسسات الدولة على الحفاظ على انتظام القرار ومنع تحول الغموض إلى فراغ.

وتأريخياً، عرفت أنظمة مختلفة أشكالاً من الفصل بين الرمز والحكم اليومي. فالإمبراطور الياباني، خصوصاً قبل التحولات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، مثّل رمزاً أعلى للدولة والهوية الوطنية أكثر من كونه مديراً يومياً للسياسة، بينما تولت المؤسسات الحكومية والعسكرية إدارة التفاصيل العملية للحكم. كما تقوم الملكيات الدستورية الحديثة على فكرة قريبة، حيث يبقى رأس الدولة رمزاً للاستمرارية، فيما تُدار الملفات اليومية عبر الحكومات المنتخبة. ولا يعني ذلك تطابق هذه النماذج مع الحالة الإيرانية، بل يوضح أن العلاقة بين الحضور الشخصي والسلطة ليست واحدة في جميع الثقافات السياسية.

وفي النهاية، لا يكمُنُ جوهر السلطة دائماً في مقدار ما يظهر القائد، بل في قدرته على بناء منظومة تجعل حضوره الرمزي قائماً حتى في غيابه. فالغياب، حين يستند إلى مؤسسات قادرة على إدارة القرار، لا يكون اختفاءً من المشهد، بل انتقالاً من سلطة الصورة إلى سلطة المعنى؛ حيث تصبح الهيبة نتاجاً لما لا يُرى بقدر ما هي نتاج لما يظهر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى