رواية “الاغتيال” تجسد سلوكيات الأنظمة الشمولية وتصور قتل الإنسان إجراءً مشروعاً

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي..
يرى الأديب علي حسين الأمْــدَشْ أن رواية “الاغتيال” للكاتب الراحل إبراهيم الحريري تمثل قدرة الأنظمة الشمولية على تصوير قتل الإنسان إجراءً حكومياً مشروعاً وعبر هذا الخطاب السردي، أراد أن يدين اغتيال الوعي والإرادة والأمل.
وقال الأمْــدَشْ في قراءة نقدية خص بها” المراقب العراقي”:إن” إبراهيم الحريري يقدّم في روايته القصيرة «الاغتيال» عالماً رمزياً يكشف كيف يمكن للاستبداد أن يتحول إلى جزء طبيعي من الحياة اليومية، وكيف تستطيع الأنظمة الشمولية أن تجعل من العنف، بل من قتل الإنسان نفسه، إجراءً حكومياً وقراراً إدارياً مشروعاً.
«– معذرة.. ألستَ السيد “م”؟ اقترب مني شاب نحيل، أميل إلى الطول، أملس الشعر، ذو وجه شاحب لا يخلو من وسامة، وفي يده صورة قديمة لي، ينقل عينيه بين الصورة وبيني.
– نعم.. هل من خدمة أؤديها لك؟
رانت على وجهه ابتسامة خفيفة: إنني (…) المكلّف باغتيالك! ومدَّ يده مصافحاً.» (ص13) هذا الاستهلال الصادم، الذي يذكّر – إلى حدٍّ ما – باستهلال «المسخ» لفرانتس كافكا، حين يستيقظ غريغور سامسا ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة، يكشف منذ اللحظة الأولى بُعد سياسي، بيروقراطي تعامل معه الكاتب بوصفه المرتكز الرئيس لبنية السردية”.
وأضاف:” في العادة – كما جربتُ – أن الأعمال الروائية التي تتبنى الدستوبيا وتعالج قضايا مصيرية شائكة تتعلّق بالوسط البيروقراطي وسياسته إزاء المجتمع، تستعمل السرد التقريري أو المباشرة وتقدَّم بأسلوب واضح بلا تعقيدات، غير أن الحريري هنا لم يتعامل بخطاب مباشر، بل عبر نسيج سردي بسيط يقوم على المفارقة والسخرية السوداء، بوصفهما أداتين جماليتين ونقديتين في آن واحد، والسخرية السوداء على وجه الخصوص أداة السرد الدستوبي، اكتشفته أنا شخصياً ولأول مرة قبل أعوام في رواية «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل”. وتابع :إن”سمة نجاح استعمال هذه الأداة، وقوّتها في أداء وظيفتها في النسيج تكمُنُ في عدم انفصالها عن الواقع، بل تستمد قوتها وتأثيرها من واقعيته. على الرغم من أن الفضاء السردي يجنح إلى الفانتازيا والغرابة؛ لأن الكاتب يصوّر الاغتيال بوصفه عملاً حكومياً يؤديه موظف مهذب بإخلاص؛ يزور ضحيته، ويشرب القهوة مع أسرته، ثم يتحدث عن الاغتيال كما لو كان خدمة عامة للمجتمع. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها؛ إذ يتحول الرعب إلى سلوك يومي مألوف، ويتحول القاتل إلى موظف مثالي يؤدي واجبه بأدب وإتقان، إلا أنه بدا واقعياً إلى حدّ ما، وهذا بالضبط ما تعالجه الرواية وهي تتبنى الرؤية الديستوبية بصورة صريحة، معتمدةً حبكة بسيطة غير متكلّفة، وشخصيات تؤدي وظائف فكرية ووجودية ذات رمزية عالية فالضيف، المكلّف بالاغتيال، يجسد أيديولوجيا الموت، والأم تمثل غريزة الحياة والدفء الإنساني، بينما يجسد الصديق بقايا الحلم الثوري والإيمان بإمكان التغيير. أما البطل، فيقف في المنتصف، ممزقاً بين الرغبة في الاستمرار والاستسلام للهزيمة، ليغدو ساحة للصراع الفكري والنفسي الذي تدور حوله الرواية”.
وأوضح أن” الحريري يعتمد إلى حد كبير، على الحوار الفكري بوصفه المحرك الأساس للسرد؛ فهو يكشف رؤى الشخصيات وأسئلتها الوجودية، ويمنح النص كثافة فلسفية واضحة، وإن كان يؤدي، في بعض المواضع، إلى إبطاء الإيقاع السردي”.
وواصل :”لقد أراد الحريري عبر هذا الخطاب السردي، أن يدين اغتيال الوعي والإرادة والأمل، وأن يفضح البيروقراطية حين تتحول إلى آلة لاغتيال الإنسان من الداخل، كاشفاً منطقها الخفي عبر تحويل المأساة إلى سخرية، والسخرية إلى أداة نقدية حادة”.وأكمل”أرجو من الجهات المعنية، وفي مقدمتها الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، ودور النشر العراقية والعربية، أن تتبنى نشر هذا العمل ورقياً بعد إخضاعه لمراجعة لغوية دقيقة؛ فهو عمل يستحق الاهتمام والإشادة “.



