من نجالس ومن نتجنّب؟.. ميزان الصحبة في الإسلام

لا تجالس هؤلاء
لقد وضع رسول الله وأهل البيت عليهم الصلاة والسلام المنهج في مسألة تصنيف الناس الذين نجالسهم أو لا نجالسهم، فهناك ثلاثة أصناف من الناس علينا أن نتجنب مجالستهم وهم:
1– أهل الدنيا:
والمقصود من أهل الدنيا هؤلاء الأشخاص الذين نسوا الآخرة ولم يعملوا لها ولم يهتموا بطاعة الله تعالى ورضوانه، وإنما صار هدفهم في هذه الدنيا هو الأمور الزائلة كالمال والجاه والشهوة، وصارت مسلكيتهم وكل تصرفاتهم في هذه الدنيا تتناسب مع أهدافهم تلك، إن مخالطة هؤلاء الأشخاص وكثرة مجالستهم تضعف إيمان الإنسان وتنسيه الآخرة وتجعله غريق الدنيا التي حذرنا الله منها.
فعن الإمام علي عليه السلام: “خلطة أبناء الدنيا تشين الدين وتضعف اليقين.
ويقول الله تعالى في القرآن الكريم متحدثاً عن أولئك الذين انحرفوا بسبب معاشرتهم لأهل الدنيا، وندمهم على ذلك في الآخرة: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾.
2– الغني الطاغي:
يجب ألّا تأخذنا المعايير الدنيوية فنشارك في مجالس الأغنياء لمجرد كونهم أغنياء حتى لو كانت مجالسهم لا تبعد عن الله عزَّ وجلّ فإنها تورث قسوة القلوب! خصوصاً إذا كانوا من الطغاة.
3– النساء:
على الرجل أن يجتنب مجالسة النساء كما على المرأة أن تجتنب مجالسة الرجال، فالمحافظة على الحدود بين الرجل والمرأة ورفض الاختلاط من الأمور التي ينبغي التمسك بها في العلاقات الاجتماعية، حتى الاختلاط الجائز ينبغي تقليله إلى الحد الأدنى، لأنه قد يؤثر على روحية الإنسان.
من نجالس من الناس؟
هذا السؤال بالذات قد سأله الحَواريون عندما قالوا لعيسى عليه السلام: يا روح الله فمن نجالس إذا؟
قال عليه السلام: “من يذكركم الله رؤيته، ويزيد في علمكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله.
تتحدث هذه الرواية عن أبعاد ثلاثة في الإنسان ينبغي ملاحظتها قبل مخالطته أو مجالسته وهذه الأبعاد هي:
أ- مظهر الإنسان: فإن مظهره الذي يتمثل بمعالم وجهه وطريقة لبسه… يجب أن يوحي بالتدين والالتزام، ويجب أن يذكّر بالله عزَّ وجلّ، فمجرد رؤية هذا المظهر تذكرك بالله عزَّ وجلّ وتعطي ظلالاً من التقوى على المجلس.
ب- المنطق: فلا يستعمل ألفاظاً ساقطة ولا عبارات مشينة، بل له منطق صحيح، إذا تحدث أفاد المستمعين زيادة في الوعي ووضوحاً وكمالاً في العلم.
ج- العمل: فيجب أن تكون مسلكية هذا الإنسان صحيحة وطبق الموازين الشرعية فلا يرتكب الحرام ولا يترك الواجب، ويسير وفق الإرادة الإلهية، يعيش في رضا الله تعالى ورحمته.
ويمكن لنا أن نقسم من أرشدتنا الروايات الصادرة عن رسول الله وأهل بيته عليهم السلام إلى معاشرتهم ومجالستهم إلى عدة أصناف:
1– الصالحين: وذلك أن مجالستهم كما عبرت الرواية مدعاة للصلاح فعملية التأثر بهم مسألة لا إرادية.
فعن الإمام زين العابدين عليه السلام: “مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح.
2– العلماء: ومن ثمار معاشرة العلماء اكتساب المرء من علومهم وأخلاقهم وسيرتهم ما يزكي به نفسه ويستعين بها على آخرته.
ففي وصية لقمان لابنه: “يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله عز وجل يُحيي القلوب بنور الحكمة كما يُحيي الأرض بوابل السماء.
وعن الإمام علي عليه السلام: “جالس العلماء يزدد علمك، ويحسن أدبك، وتزك نفسك.
3– الحكماء: وهم أصحاب الخبرة والتجارب والعقل الكبير المجرب للأمور ومن ثمار معاشرتهم اتساع أفق الفكر لدى الإنسان واستشارتهم لما فيه صلاح الأمور فمن شاور الرجال شاركهم في عقولهم.
4– الفقراء:
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “سائلوا العلماء، وخاطبوا الحكماء، وجالسوا الفقراء.
إن مجالسة الفقراء تختزن الكثير من الأمور الإيجابية التي ترضي الله سبحانه وتعالى، فهي في البداية مواساة للفقير، حتى لا يكون منسياً وعلى هامش المجتمع، بل يعيش المجتمع كله هم الفقراء ومشاكلهم ليقوم كل فرد منه بدوره في رفع حوائجهم، وهي كذلك طرد للأنانية والتكبر، وتنقية من الأمراض التي قد يعيشها الإنسان والتي توصله إلى درجة التكبر على عباد الله واستصغارهم ورفض مجالستهم، فالمشاركة في مجالس الفقراء كفيلة بالتخلّص من هذه الأمراض فيحل محل التكبر التواضع لعباد الله تعالى.



