عقدة المدرب المحلي

بقلم/ د. عدنان لفتة..
في كل مرة تهتز فيها نتائج المنتخبات الوطنية، أو تتعثر في محطة مهمة، تخرج من بين الضجيج أصوات تحمل وصفات سريعة للحلول، بعضها منطقي وقابل للنقاش، وبعضها الآخر يبدو أقرب إلى ردود الأفعال العاطفية منه إلى الرؤى الفنية المدروسة. ومن بين أكثر هذه الطروحات غرابة تلك الدعوات التي تنادي بإقحام مدربين محليين ضمن الأجهزة الفنية للمنتخبات الوطنية لمجرد إرضاء بعض المدربين وفي توجهات مخالفة للرأي العام، دون النظر إلى الحاجة الفنية الحقيقية أو طبيعة الأدوار المطلوبة.
فالمنتخب الوطني ليس مؤسسة للمجاملات، ولا مساحة لتوزيع المناصب وفق اعتبارات عاطفية أو شعبوية، بل هو مشروع احترافي يمثل طموحات أمة كاملة. وفي عالم كرة القدم الحديثة لم تعد الأجهزة الفنية تُبنى على أساس الهوية الوطنية وحدها، وإنما وفق معايير الكفاءة والخبرة والتخصص والقدرة على إضافة قيمة حقيقية داخل منظومة العمل.
ومن الغريب أن بعض الأصوات تطرح وجود المدرب المحلي كشرط ثابت لا يقبل النقاش، وكأن نجاح المنتخبات الكبرى في العالم ارتبط دائماً بهذه المعادلة. والحقيقة أن مدارس كرة القدم المتطورة تبحث عن أفضل العقول أينما كانت، وتمنح المسؤوليات لمن يستحقها، بغض النظر عن جواز سفره أو مكان ولادته. فالنجاح لا تصنعه الجنسيات، بل تصنعه المعرفة والخبرة والعمل المنظم.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة المدرب المحلي، فالكفاءة عملة طاردة للعملة السيئة وللأسف أن اختيارات أولئك لا تُبنى على الكفاءة أو منجزهم الحقيقي أو حتى تخصصهم، فالشراكة يجب أن تكون استناداً إلى قدرته على الإضافة الفنية الحقيقية، لا بوصفه ديكوراً وطنياً أو استجابة لضغوط من تلك الجهة أو غيرها. فالمدرب المحلي الذي يستحق موقعه يجب أن يصل إليه بجدارة، لأن وجوده سيكون مكسباً للمنتخب وللكرة الوطنية معاً.
إن أخطر ما في هذه الدعوات أنها تختزل مشروع المنتخب الوطني في قضية أشخاص محددين كأن الأرض لم تلد غيرهم ولا تمنح الفرصة لآخرين أكثر كفاءة يغيبون بفعل فاعل، والأدهى أن علاجاتنا لإخفاقاتنا تدور في هذا الفلك فقط بينما تتجاهل الملفات الأهم؛ كالتخطيط طويل الأمد، وتطوير الفئات العمرية، وتحسين البنية التحتية، وتأهيل الكوادر الفنية والإدارية، وصناعة بيئة احترافية مستقرة. فالمنتخبات لا تنتصر لأن مقاعد البدلاء تضم أسماءً محلية أو أجنبية، بل لأنها تعمل ضمن منظومة متكاملة تعرف ماذا تريد وإلى أين تسير.
واليوم، وفي زمن أصبحت فيه كرة القدم صناعة عالمية معقدة، لم يعد السؤال: هل المدرب محلي أم أجنبي؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: ماذا سيضيف؟ وما حجم خبرته؟ وكيف يمكن أن يسهم في تطوير الأداء وتحقيق الأهداف؟.
إن المنتخب الوطني أكبر من أن يكون ساحة لصراعات الآراء أو تصفية الحسابات أو إرضاء العواطف، إنه واجهة وطن، وحلم جماهير، ومشروع يجب أن يُدار بعقلية احترافية لا تخضع إلا لمعيار واحد: مصلحة المنتخب أولاً وأخيراً. وعندما يصبح هذا المعيار هو الحاكم، ستتراجع الدعوات الغريبة، ويعلو صوت الكفاءة فوق كل الأصوات الأخرى.



