اراء

مونديال بلا عدالة

بقلم/ عبد الرحمن رشيد..

جمعت مباريات كأس العالم المقامة حاليًا في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ملايين الجماهير من مختلف أنحاء العالم، سواء من حالفهم الحظ بحضور المباريات من المدرجات أو من تابعوها عبر شاشات التلفاز. توحَّد الجميع خلف منتخباتهم الوطنية، فيما شجّع آخرون منتخبات أخرى، في مشهد يؤكد أن كرة القدم ما زالت اللعبة الأكثر قدرة على جمع الشعوب، وأن المقولة التي رافقتنا منذ الطفولة: “الكرة تجمع ولا تفرق” لا تزال تحمل الكثير من الحقيقة.

ومع اقتراب البطولة من إسدال الستار على صفحاتها الأخيرة، تبقى الجماهير هي الفائز الأكبر، إلا أن النسخة الحالية لم تخلُ من الجدل، بعدما ألقت السياسة بظلالها على مشهد كروي اعتدنا أن يكون بعيدًا عن التدخلات المباشرة. فقد تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) بشأن عدد من الملفات، وفي مقدمتها التحكيم وآلية إدارة البطولة، الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا في الأوساط الرياضية والإعلامية.

كما تعرّضت البطولة لانتقادات فنية، إذ رأى عدد من المحللين أن رفع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 منتخبًا أسهم بتراجع المستوى الفني لبعض المباريات، فضلاً عن الإرهاق الذي تعرّضت له المنتخبات نتيجة التنقل المستمر بين المدن والولايات عبر رحلات طويلة، وهو ما انعكس على الجوانب البدنية والفنية للاعبين.

ومن بين الملاحظات التي أثارت الاستغراب أيضًا إقامة بعض المباريات في أوقات غير مألوفة، مثل مباراة مصر والأرجنتين التي انطلقت عند الساعة الثانية عشرة ظهرًا، وهو توقيت اعتبره كثيرون غير مناسب لإقامة مباريات بهذا الحجم، لما يفرضه من ظروف مناخية وبدنية صعبة على اللاعبين.

وعند المقارنة مع بطولة كأس العالم 2022 التي استضافتها قطر، تتجه آراء كثيرة إلى الإشادة بالتجربة القطرية التي نالت استحسانًا عالميًا، سواء من حيث جودة التنظيم، أو تقارب الملاعب، أو سهولة تنقل الجماهير، فضلاً عن المستوى الفني المرتفع الذي شهدته البطولة. وقد نجحت قطر في تقديم نسخة استثنائية ما زالت تحظى بإشادة واسعة، وتركت ذكريات جميلة لدى الجماهير التي حضرت منافساتها.

إن كرة القدم بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى حماية استقلاليتها، وأن تبقى بعيدة عن أية مؤثرات قد تمسّ عدالة المنافسة أو مصداقية اللعبة. كما أن تطوير المنظومة الإدارية والتحكيمية في الاتحاد الدولي أصبح ضرورة للحفاظ على ثقة الجماهير والمنتخبات، وترسيخ المبادئ التي قامت عليها اللعبة.

فالكرة كانت وستبقى رسالة سلام ومحبة بين الشعوب، وجسرًا للتقارب الإنساني، ولن تحقق رسالتها الحقيقية إلا إذا بقيت بعيدة عن أية تدخلات تؤثر في نزاهتها وعدالتها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى