اراء

هل يستعمل نتنياهو ورقته الأخيرة في غزة لإنقاذ مستقبله السياسي؟

بقلم: أحمد عبد الرحمن..

لا تبدو حظوظ مجرم الحرب والهارب من وجه العدالة الدولية بنيامين نتنياهو في الحفاظ على كرسي الحكم في “إسرائيل” على خير، إذ تشير معظم استطلاعات الرأي الصادرة أخيرا عن مراكز دراسات متعددة ووسائل إعلام مختلفة إلى انخفاض واضح في نسبة المصوّتين لحزب الليكود اليميني المتطرّف، والذي يشكّل منذ نهاية كانون الأول عام 2022 برفقة باقي الأحزاب اليمينية الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرّفا في تأريخ “الدولة” العبرية، والتي وعلى الرغم من اعتماد كل حكوماتها المتلاحقة لنهج العنف والإجرام في التعامل مع أعدائها القريبين والبعيدين، إلا أنها لم تصل خلال أكثر من سبعة عقود ونصف العقد من عمرها إلى هذا المستوى من الإجرام، والذي بلغ حسب محكمة العدل الدولية، والمحكمة الجنائية نسبة لم يبلغها من قبل.

وأدّى في جزء من نتائجه الكارثية إلى إزهاق أرواح أكثر من ثمانين ألف مواطن بريء في قطاع غزة المنكوب، وإلى دمار هائل في البنى التحتية والمنشآت المدنية والصحية والإغاثية تجاوز نسبة التسعين بالمائة، وهو ما تم تصنيفه من قبل المحاكم الدولية كجريمة حرب مكتملة الأركان، على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها الكيان الصهيوني، ومعه حليفه الأميركي لنفي هذه التهمة، أو على أقل تقدير تفريغها من مضمونها، والتقليل من تداعياتها.

بعد معركة “طوفان الأقصى” أواخر العام 2023 واجه نتنياهو مروحة واسعة من الأزمات، لا سيّما بعد الإخفاق الكبير وغير المسبوق الذي مُنيت به قواته العسكرية المنتشرة على طول الحدود مع قطاع غزة، والتي سقطت في غضون ساعتين من الزمن أمام بضعة مئات من المقاتلين الفلسطينيين، والذين كانوا يفتقدون معظم الإمكانيات والوسائل العسكرية الحديثة، إلا أنهم تمكّنوا من اقتحام معظم المواقع العسكرية الإسرائيلية الممتدّة على شعاع 60 كلم شمال وشرق القطاع، والسيطرة عليها، بل والتوغّل في بعض القطاعات إلى مسافة لا تقل عن عشرين كيلومترا داخل الأراضي المحتلة عام 48، واقتياد مئات الأسرى من جنود الاحتلال وضباطه ومستوطنيه إلى داخل أراضي القطاع، وهو الأمر الذي صنّفته التحقيقات الإسرائيلية بأنه فشل تام وكامل لِفِرقة غزة التي كانت تتولى مهمة تأمين حدود القطاع، وفشل كبير للمستويين السياسي والعسكري في كل “الدولة” ،والتي كانت على وشك الانهيار لولا التدخّل الأميركي العاجل والطارئ.

خلال الأشهر الأخيرة حاول نتنياهو المأزوم لعب أوراقه الأخيرة لإنقاذ نفسه من مصير آت، حيث وجد ضالّته في الحرب الصهيوأميركية على إيران، والتي فتحت أمامه نافذه مهمة كما يقول بعض المحللين الإسرائيليين من أجل الهروب من مصيره الأسود، ومن أجل التغطية على سقوطه الكبير في قطاع غزة، وهو وإن كان قد نجح في تحقيق إنجاز مهم في الأيام الأولى من العدوان أواخر شباط الماضي من خلال اغتيال مرشد الثورة الإيرانية الشهيد على خامنئي رضوان الله عليه، وإلى جانبه العديد من قادة الصف الأول في الجمهورية الإسلامية في إيران، إلا أن رد الفعل الإيراني الحاسم، والذي شكّل صدمة مدوّية وغير مُنتظرة لكل سكّان الكيان الصهيوني، كما كان الحال بالنسبة للحليف الأميركي ،قد أعادا الأمور إلى نصابها، وجعلا من مهمّة تحقيق إنجاز لافت بإسقاط النظام الإسلامي في إيران، والسيطرة على مواردها وخيراتها،وهو ما كان يعني السيطرة على كل المنطقة جعل من كل ذلك ضرباً من المستحيل، وهو ما دفع الكيان وحليفه الأميركي لاحقاً إلى البحث عن مخارج لوقف الحرب، ووقف نزيف الخسائر التي وصلت حسب اعتراف مصادر رسمية وتحقيقات صحفية إلى مستويات قياسية.

ورقة أخرى لعب بها نتنياهو وكانت هذه المرة من النافذة اللبنانية، والتي حاول الولوج منها نحو النجاة من السقوط والسجن وتمثلت في توسيع الحرب على لبنان، حيث زج بالعديد من فرقه القتالية النخبوية والخاصة داخل المستنقع اللبناني، وهو الامر الذي حذّر منه الكثير من قادة الجيش الصهيوني، والذين خبروا جيدا ماذا يعني الدخول إلى مناطق ذات طبيعة جغرافية صعبة وقاسية، وفي مواجهة خصم شديد المِراس، واسع الخبرة، ويملك إمكانيات أقل ما يُقال عنها أنها نوعية، ويمكن أن تشكّل كسرا للخطوط الحُمر التي كان يعتقد جيش الاحتلال أنه قادر على المحافظة عليها بفعل تفوّقه الكبير على صعيد العتاد والعديد.

الورقة الثالثة والأخيرة والتي بقيت نافذتها مفتوحة أمام نتنياهو هي قطاع غزة، والذي يبدو أنه بات الملاذ الأخير له لتحقيق إنجاز بحث عنه مطوّلا، ولم ينجح في الوصول إليه خلال أكثر من ثلاثة وثلاثين شهراً.

يمكن الاعتقاد بأن هذه العمليات ستزداد كمّا ونوعًا خلال الشهور القادمة حتى موعد الانتخابات البرلمانية في “إسرائيل”، وربما تصل إلى ذروتها خلال تشرين الأول القادم لتحقيق إنجاز يعتقد نتنياهو ومستشاروه أنه الوحيد المتاح في ظل تعقيدات الجبهات الأخرى.

على كل حال قد تبدو فرص الوصول إلى هذه العملية أعلى بكثير من فرص أخرى يعتقد البعض أنها ممكنة في ظل الأخبار المتداولة حول وصول طلائع قوة الاستقرار إلى بعض مناطق القطاع، وإلى قرب حدوث انفراجة تسمح بدخول لجنة إدارة غزة لاستلام مهامها وتولي زمام الأمور في تيسير حياة الناس وتأمين مستلزماتهم المعيشية والإغاثية ،إلا أن الواقع يشير إلى أن هناك كثيرا من العراقيل تقف بوجه هذه الانفراجة المأمولة، وفي المقدمة منها التهرّب الإسرائيلي من الوفاء بالجزء الأكبر من التزاماته ضمن اتفاق وقف إطلاق النار ،وإدارة ظهره لكل ما تم التوافق عليه في العاشر من تشرين الأول من العام الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى