اراء

محو القرى في لبنان ومنع العودة.. جرائم حرب أم مؤشرات إبادة جماعية؟

بقلم: ليلى نقولا..

لايمكن النظر إلى ما تقوم به “إسرائيل” من تدمير القرى الحدودية في الجنوب اللبناني، وتجريف أحيائها السكنية، ومحو معالمها العمرانية، واستهداف البنية الاجتماعية التي تشكّل أساس وجود سكانها، بمعزل عن الإطار القانوني الدولي الناظم للنزاعات المسلّحة.

فالقانون الدولي الإنساني لا يقتصر على حماية حياة المدنيين أثناء النزاعات، بل يمتدّ أيضاً إلى حماية ممتلكاتهم، وضمان بقائهم في أراضيهم، وصون الروابط الاجتماعية والثقافية التي تشكّل هويتهم الجماعية.

لا ينظر القانون الدولي إلى المباني بوصفها حجارة، وإنما باعتبارها الإطار المادي الذي يتيح لجماعة بشرية الاستمرار في العيش والمحافظة على روابطها الاجتماعية والثقافية والتأريخية. وتنصّ المادة الـ53 من اتفاقية جنيف الرابعة على حظر تدمير الممتلكات الخاصة أو العامة في الأراضي الخاضعة للسيطرة العسكرية، إلا عندما تفرض الضرورة العسكرية ذلك بصورة حتمية.

كما يعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، في المادة الـ8 منه، أنّ التدمير الواسع للممتلكات والاستيلاء عليها من دون ضرورة عسكرية يمكن أن يشكّل جريمة حرب تستوجب المسؤولية الجنائية الفردية. وتنصّ المادة الـ7 من النظام ذاته على أنّ التهجير القسري للسكان أو اضطهادهم بصورة واسعة أو منهجية قد يندرج ضمن الجرائم ضدّ الإنسانية.

وفي الجنوب اللبناني، لم يعد ما تقوم به “إسرائيل” مجرد تدمير الأبنية والمنشآت والبنى التحتية، بل تحوّل إلى سياسة ممنهجة تقوم على إزالة قرى كاملة من الوجود الفعلي، ومنع سكانها من العودة إليها، وتغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي لمنطقة بأكملها.

يقول وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إنّ مئات آلاف السكان الشيعة في جنوب لبنان لن يعودوا إلى الجنوب، وهذا يعني شمول فئة الجماعات الدينية المحمية بموجب المادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.

كما تحدّث عن تدمير القرى الحدودية وفق نماذج مشابهة لما جرى في رفح وبيت حانون في قطاع غزة. كذلك صدرت تصريحات إسرائيلية أخرى تؤكّد منع عودة السكان والنيّة المتعمّدة بهدم المنازل والقرى القريبة من الحدود بصورة كاملة.

تعطي السوابق القضائية الدولية، بما فيها اجتهادات المحكمة الجنائية الدولية والمحكمتين الجنائيتين الدوليتين الخاصتين بيوغوسلافيا السابقة ورواندا، أهمية خاصة للتصريحات العلنية الصادرة عن المسؤولين، واعتبرت في عدد من أحكامها أنّ التصريحات العلنية للمسؤولين قد تشكّل قرائن ذات صلة عند استظهار النيّة الجنائية. وبالتالي، عندما تقترن عمليات التدمير الواسعة بإعلانات صريحة تتحدّث عن منع فئة سكانية محدّدة من العودة إلى مناطقها أو إزالة مقوّمات وجودها فيها، فإنّ هذه التصريحات تصبح جزءاً من الأدلة والقرائن التي يُستند إليها لفهم الهدف الحقيقي للسياسة المتّبعة وتحديد طبيعتها القانونية.

ومن الناحية القانونية، إنّ التهجير القسري واسع النطاق، ومنع العودة، وتدمير الممتلكات المدنية، وإزالة مقوّمات الحياة لجماعة محدّدة، قد يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية إذا ثبت أنه يُرتكب بصورة واسعة أو منهجية ضدّ السكان المدنيين. وتشترط المادة الـ6 من نظام روما الأساسي واتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها توافر القصد الخاصّ (dolus specialis)أي توافر نيّة تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كلياً أو جزئياً، بصفتها تلك.

ومن خلال فحص ما تقوم به “إسرائيل” من أفعال في الجنوب اللبناني، يمكن رصد تلازم ثلاثة عناصر أساسية:

·أولاً، التدمير الواسع للقرى والبنية السكنية المدنية.

·ثانياً، التصريحات العلنية التي تتحدّث عن عدم عودة السكان الشيعة إلى مناطقهم وعن تدمير القرى بصورة شاملة.

·ثالثاً، استهداف الحيّز الجغرافي الذي يشكّل مركز الوجود التأريخي والاجتماعي لهذه الجماعة في الجنوب اللبناني.

وباجتماع هذه العناصر، يمكن النظر إلى السياسة الإسرائيلية المتّبعة باعتبارها تتجاوز الأهداف الأمنية المعلنة لتطال الأسس المادية والاجتماعية التي يقوم عليها وجود جماعة سكانية محدّدة في منطقة معيّنة.

من هنا، فإنّ التدمير الواسع للقرى، ومنع السكان من العودة، والتصريحات السياسية أو العسكرية الداعية إلى إبعادهم بصورة دائمة… كلّها تمثّل مؤشّرات وقرائن بأنّ النيّة الإسرائيلية هي أبعد من مجرّد السيطرة بهدف الأمن لتصل إلى استهداف الجماعة البشرية نفسها.

لذلك يمكن القول، من منظور قانوني، إنّ تجريف القرى الجنوبية ومحوها ومنع سكانها من العودة إليها، مقروناً بتصريحات إسرائيلية رسمية تتناول بصورة مباشرة السكان المعنيين بالإبعاد، يثير بصورة واضحة شبهة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، كما يُعطي مؤشّرات قانونية خطيرة تستوجب تحقيقاً مستقلاً وشاملاً في احتمال توافر أركان جريمة الإبادة الجماعية وهو ما يستوجب من الدولة اللبنانية بالمقابل التراجع عن البند الـ13 من “اتفاق الإطار”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى