اراء

مفردات عن تشييع جثمان السيد الخامنئي في العراق

بقلم : منهل عبد الأمير المرشدي ..


ليس كل من يرحل تشيِّعُهُ الملايين وليس كل نعش يخرج إلى مثواه الأخير يصبح حدثا يستوطن ذاكرة الأمم . ثمة رجال إذا غابوا بدا كأن جزءا من تأريخ عصر كامل قد انطوى معهم ، وثمة شخصيات لا تقاس بأعمارها بل بما تركته من أثر في العقول والقلوب ومسار الأحداث . ولذلك فإن من ينظر إلى مشهد تشييع السيد الشهيد علي الخامنئي رضوان الله عليه بوصفه مجرد جنازة لرئيس دولة أو مسؤول سياسي فإنه لم يدرك حقيقة الرجل ولم يفهم طبيعة المكانة التي يحتلها في وجدان ملايين المؤمنين قائدا ومرجعا ومجاهدا ومفكرا ودليلا . لقد اعتاد خصوم الجمهورية الإسلامية عن عمد أو عن جهل أن يحصروا السيد الخامنئي في عنوانه الوظيفي (قائد للثورة الإسلامية في إيران) وهذه قراءة مبتورة من دون أن تربطها بإرثه الجهادي والعلمي الذي يمتاز به ونور البصيرة والحكمة التي صنعت مكانته الدينية والروحية واستحوذت على قلوب ملايين الناس في مشارق الأرض ومغاربها والتي ترتبط به ارتباطا عقائديا وفقهيا منذ تبوُّؤِه القيادة إثر رحيل الإمام الخميني رضوان الله عليه . فالسيد الشهيد علي الخامنئي قبل أن يكون قائدا سياسيا هو مرجع ديني مجتهد بلغ مرتبة الاجتهاد وهذه المرتبة هي ثمرة عمر طويل من البحث والتدريس والتأليف والتتلمذ على أيدي كبار العلماء. وهنا تكمُنُ الحقيقة التي يجهلها كثيرون أو يتجاهلونها . ففي الفقه الجعفري لا يعيش المؤمن بلا مرجعٍ ديني يرجع إليه في أحكام دينه وفقا لما جاء في كتاب الله العزيز في سورة التوبة 122 ( فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) . ومن هنا جاء مفهوم التقليد وهو ليس تبعية عمياء كما يحلو للبعض أن يصفه بل هو رجوع الجاهل إلى العالم والمتخصص إلى الأعلم وهو مبدأ عقلي قبل أن يكون مبدأً شرعيا . ولهذا فإن السيد الخامنئي له مقلدون في إيران والعراق ولبنان والبحرين واليمن والكويت والسعودية وباكستان والهند وأفغانستان من دون أن يتعارض ذلك مع وجود المرجع الأعلى لعموم الشيعة في العالم السيد علي الحسيني السيستاني الذي تقلده عشرات الملايين من الشيعة في مختلف أنحاء العالم بما فيهم الذين يعيشون في أوروبا والأمريكيتين وأستراليا وأفريقيا وعشرات الملايين داخل إيران نفسها . ولا يرى أتباع أي من المرجعين في ذلك تناقضا لأن المرجعية عند شيعة آل البيت عليهم السلام ليست مؤسسة سياسية بل مدرسة علمية وفقهية عريقة تمتد جذورها إلى أكثر من ألف ومائتي عام وتقوم على الاجتهاد والاستنباط لا على الوراثة . ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن يخرج من لا يعرف شيئا عن هذا النظام العلمي العريق ليصف المقلدين بأنهم ذيول أو أتباع بلا وعي ولو طبقنا هذا المنطق على بقية الأديان والمذاهب لكان علينا أن نصف مئات الملايين من المسيحين الكاثوليك بأنهم أذناب لبابا الفاتيكان وأن نصف أتباع الكنائس الأرثوذكسية بأنهم ذيول لبطريرك موسكو أو غيره من بطاركة الكنائس الشرقية وأن نصف المسلمين من إخواننا السنّة الذين يرجعون إلى هيأة كبار العلماء في السعودية أو الأزهر ولا يصومون شهر رمضان إلا بإيعاز من هناك يأنهم ذيول وفاقدو الإرادة وهذا كلام لا يقبله عقل ولا يقره دين ولا يحترمه منطق . لا بد أن نذكِّر بحقيقة أن مراجع الشيعة عبر التأريخ اشتهروا بالزهد وبساطة العيش والابتعاد عن مظاهر الترف اقتداء بسيرة أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام الذي طلّق الدنيا بكل مغرياتها وكان يرى أن قيمة المؤمن لا تقاس بما يملك وإنما بما يقدم للناس من عدل ورحمة وإنصاف، ومن هنا فإن مشهد تشييع السيد الخامنئي ليس مجرد وداعٍ لرجل دولة انتصر على أكبر طاغوت في الأرض وإنما هو وداعٌ لفقيه وقائد يرون أنه حمل همَّ الأمة ودافع عن استقلالها وكرامتها وواجه الضغوط الصهيوأمريكية والحروب والعقوبات والتهديدات وظل ثابتا على مواقفه بوجه الطواغيت والظالمين حتى آخر يومٍ من حياته . قد يختلف الناس مع أفكاره وقد يعارضون سياساته وذلك حق مشروع لا ينازع فيه أحد لكن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى حقد أعمى أو إنكار للحقائق . ولعل أعظم ما يقال في نهاية المطاف أن الجنازات الكبرى لا تقاس بعدد المشيعين وإنما بما يتركه الراحل من فراغٍ في النفوس ومن أثر في التأريخ ومن حضورٍ يبقى حيا بعد أن يغيب الجسد تحت التراب . إنها كلمة حق إلى من يبحث عن الحقيقة بعيدا عن ضجيج الدعاية وعن ضيق التعصب وعن أحكام الكراهية الجاهزة . أخيرا وليس آخِرا نقول إن تشييع السيد الشهيد علي الخامنئي في العراق هو شرف كبير أنعم الله به على شعب العراق وعلمائه وحكومته ووسام فخر لحمل الجسد الطاهر لقائد أبيٍّ رضوان الله عليه فوق الأكتاف .
فالرجال الكبار لا يختصرهم خصومهم ولا تكتب سيرتهم حملات التشويه وإنما تكتبها السنون وتحفظها ذاكرة الأمم التي ترفع الشعار الخالد للإمام الحسين عليه السلام هيهات منّا الذلة ويشهد عليها تأريخ المنصفين الذي يبقى مهما طال الزمن أكثر عدلا من أهواء البشر . السلام على السيد الشهيد الخامنئي يوم ولد والسلام عليه يوم عاش مجاهدا ثائرا بوجه الظلم والسلام عليه يوم استشهد كريما عزيزا أبِيًّا والسلام عليه يوم يُبعث حيا شاهدا وشهيدا في رحاب عزيز بصير حكيم .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى