العلم في عاشوراء.. بصيرة في مواجهة الجهل

د. علاء إبراهيم محمود الحسيني..
يُعدّ العلم مصدرًا أساسيًا لسعادة الإنسان، وأن الجهل سبب لشقائه وتردّيه في سلالم الحياة المعاصرة، وفي كل زمان ومكان. بل إن العلم يُعد السبب الأهم للسعادة الأبدية للإنسان في دار الدنيا والآخرة، فبه يميّز المرء بين الحق والباطل، وبالعلم فضّل الله تعالى الإنسان على بقية المخلوقات، ولا سيما الملائكة، وهم المعروف عنهم العقل والطاعة المطلقة لله تعالى، حيث جاء في القرآن الكريم: ((وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)).
جاء في الأثر أن العلم نور والجهل ظلام، والعلم، وبحق، يُعد المعيار السماوي للمفاضلة بين الناس؛ لذا جاء في القرآن الحكيم قول الله تبارك وتعالى: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)). ونقيض العلم هو الجهل، الذي يقود إلى العمى والضلال والجهل والتخلف، وبالمحصلة يقود إلى موت القيم والمبادئ، ويهبط بالإنسان إلى أسفل درك في سلم الحياة. لذلك كانت أدوار ووظائف الأنبياء والأولياء والصالحين، ومنهم الإمام أبو عبد الله الحسين عليه السلام، هي لاستنقاذ الناس من هذا التخلف والضلال الكبير.
قال تعالى: ((لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)).
لذا، من واجب الإنسان أن يثمّن التضحيات الجسام التي قدمها الامام الحسين عليه السلام، وهو يشق طريق الحياة ويريد أن يستنقذ الأمة من براثن الجهل، وكان آخر ما قدمه عليه السلام نفسه الكريمة ودماءه الزاكية، بل ضحّى بكل أسرته الكريمة وأنصاره الخلّص وأصحابه الميامين؛ كل ذلك لتكون الأمة على بصيرة من أمرها، لتعيش في النور بدل الظلام، ولينتفعوا من نعمة العقل التي حبانا الله بها، لنتميز عن الدواب والهوام على هذه الأرض، وكرّمنا بسببه على جميع المخلوقات. يقول تعالى: ((وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا)).
وحين تحدّث النبي الأكرم عن العقل قال: ((إن العقل عقالٌ من الجهل، والنفس مثل أخبث الدواب، فإن لم يعقل حارت، فالعقل عقالٌ من الجهل، وإن الله خلق العقل، فقال له: أقبل فأقبل، وقال له: أدبر فأدبر، فقال له الله تبارك وتعالى: وعزّتي وجلالي ما خلقت خلقًا أعظم منك ولا أطوع منك، بك أُبدي وأعيد، لك الثواب وعليك العقاب)). ويرى الصالحون أن العقل تشعب منه الحلم، نعم، فالحلم دلالة على العلم، وكمال العلم يوصل إلى الرشد، والرشد ينتهي إلى العفاف، والعفاف يتفرع منه الحياء، والاعتدال، والمداومة على الخير، وبغض الشر والكراهية، وطاعة الناصح.
بيد أن شُذّاذ الآفاق في كربلاء، لما استولى عليهم العمى والجهل، وأطبق عليهم الشيطان بوساوسه، سُدّت آذانهم عن سماع الحسين وحبيب وزهير بن القين والحر الرياحي حين خاطبوهم ليستنقذوهم من الجهالة وحيرة الضلالة.



