لصالح مَنْ يميل “الاتفاق الإطاري” بين الدولة اللبنانية والعدو الإسرائيلي؟

بقلم: محمد الحسيني..
لا تُقاس الاتفاقات الدولية بالشعارات السياسية أو الانطباعات العامة، بل بميزان واحد حاسم: من يلتزم أكثر؟ ومن يحصل أكثر؟ فالنصوص التأسيسية لا تُقرأ بوصفها نوايا، بل بوصفها هندسة عملية لإعادة توزيع الالتزامات والقيود والفرص بين الأطراف.
وانطلاقاً من هذا المنطق، تهدف هذه القراءة إلى تفكيك الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، لا من زاوية الموقف منه، بل من زاوية بنيته الداخلية: ماذا يُطلب من كل طرف؟ وماذا يُمنح له في المقابل؟ وأين يختل التوازن فعلياً؟.
يثير هذا الاتفاق، بصيغته المُعلنة، إشكالية مركزية تتجاوز الطابع الأمني التقليدي، إذ لا يكتفي بوقف الأعمال العسكرية، بل يعيد صياغة طبيعة العلاقة بين لبنان وإسرائيل على مسار تفاوضي مفتوح، يصل في حدّه الأقصى إلى تسوية دائمة. لكن جوهر الإشكال لا يكمن في الهدف المعلن، بل في توزيع الأعباء خلال الطريق إليه.
عند تفكيك بنية الاتفاق، يظهر اختلال واضح في هندسة الالتزامات.
فالطرف اللبناني يتحمل الجزء الأكبر من الالتزامات التنفيذية المباشرة، بينما تُصاغ الالتزامات الإسرائيلية ضمن شروط تحقق ومراحل تقييم، ما يمنحها قدرة فعلية على التحكم بإيقاع التنفيذ لا مجرد المشاركة فيه.
يتجلى ذلك أولاً في ملف نزع السلاح، فالالتزام اللبناني، وفق منطق النص، لا يقتصر على منطقة محددة، بل يمتد إلى كامل الجغرافيا اللبنانية، ويشمل تفكيك كل البنى المسلحة خارج إطار الدولة. عملياً، يُعاد تعريف القوة العسكرية داخل لبنان بوصفها حصراً بيد الدولة، بما يحوّل هذا البند إلى التزام داخلي شامل طويل المدى.
في المقابل، يرتبط أي انسحاب أو إعادة انتشار إسرائيلي بشرط سابق: التحقق الكامل من تنفيذ الجانب اللبناني. أي أن الانسحاب لا يُعامل كاستحقاق متوازٍ، بل كنتيجة مؤجلة قابلة للتجميد أو التسريع وفق تقدير جهة تحقق خارجية، تشارك فيها الولايات المتحدة.
هذا وحده يكشف معادلة غير متكافئة:
التزام لبناني فوري وتراكمي، مقابل التزام إسرائيلي مشروط ومؤجل.
أما على المستوى السياسي، فينقل الاتفاق العلاقة من منطق إدارة النزاع إلى منطق إنهائه.
فالنص يؤسس لاعتراف متبادل بحق “العيش بسلام”، ويعلن التوجه نحو مفاوضات مباشرة شاملة. هذه ليست صياغة تقنية، بل نقلة في الإطار السياسي نفسه، تفتح الباب أمام تطبيع تدريجي للعلاقة تحت عنوان إنهاء الصراع.
وتتعزز هذه النقلة عبر إنشاء قنوات اتصال دائمة، ولجان عمل مشتركة، وآلية تنسيق عسكري برعاية أمريكية. هذه البنية لا تُدار كترتيبات مؤقتة، بل كهندسة مؤسساتية دائمة لإدارة العلاقة الأمنية والسياسية بين الطرفين.
في المقابل، تحصل إسرائيل على مكاسب تتجاوز البعد الأمني المباشر.
أبرزها تقييد قدرة لبنان على استخدام أدوات الضغط الدبلوماسي والقانوني في المحافل الدولية، مقابل غياب التزامات مقابلة واضحة تتعلق بوقف الانتهاكات الجوية أو معالجة الملفات الحدودية أو تحديد سقف زمني ملزم للانسحاب.
أما الولايات المتحدة، فتخرج من موقع الوسيط إلى موقع البنية الحاكمة للاتفاق:
ضامن، مراقب، ممول، ومنتج لآليات التنفيذ. وهذا يعني أن الاتفاق لا يُدار فقط بين طرفين، بل عبر مركز إدارة خارجي دائم يتحكم بمراحل التنفيذ والتحقق والتمويل.
يرتبط البعد الاقتصادي بدوره مباشرة بالمسار الأمني.
فالمساعدات وإعادة الإعمار ليست التزاماً منفصلاً، بل مشروطة بمراحل تنفيذ قابلة للقياس والتحقق. بهذا المعنى، يتحول الدعم الاقتصادي من أداة إنعاش إلى أداة ضبط سلوكي مرتبطة بالامتثال السياسي والأمني.
في المقابل، تُغيَّب تقريباً القضايا اللبنانية التقليدية التي شكّلت تاريخياً جوهر أي تفاوض مع إسرائيل: لا آلية واضحة لمزارع شبعا أو كفرشوبا، لا إطار ملزم للغجر، لا جدول انسحاب محدد، ولا معالجة تفصيلية لملف الأسرى أو التعويضات.
وهذا ليس تفصيلاً، بل يعد مؤشراً على انتقال مركز الثقل من النزاع الحدودي إلى إعادة تشكيل الداخل اللبناني أمنياً وسياسياً.
والأهم أن الالتزامات لا تُبنى زمنياً على أساس التوازي.
فالطرف اللبناني يدخل في مسار تنفيذ متدرج ومفتوح، بينما تُربط التزامات الطرف الإسرائيلي بنتائج هذا التنفيذ، أي أن الاتفاق لا يخلق توازناً في الزمن السياسي، بل يخلق تسلسلاً هرمياً في الالتزامات.
بناءً على ذلك، لا يظهر الاتفاق بوصفه تسوية متكافئة، بل بوصفه إطاراً لإعادة تنظيم البيئة السياسية والأمنية في لبنان ضمن رؤية أوسع تقودها واشنطن وتستفيد منها إسرائيل استراتيجياً، عبر تثبيت معادلة: الدولة اللبنانية مقابل تفكيك القوة غير الحكومية، مقابل إعادة إعمار مشروطة، مقابل مسار تفاوض مفتوح النهاية.
في المحصلة، لا يُقاس هذا النوع من الاتفاقات بما يعلنه من أهداف عامة، بل بما ينتجه من بنية التزامات فعلية.
وعند هذا المستوى تحديداً، يظهر أن العبء التنفيذي الأكبر يقع على الدولة اللبنانية، بينما تُترك الالتزامات الإسرائيلية ضمن منطق الشرط والتدرج والتحقق.
وعليه، فإن ميزان المكاسب والالتزامات في الصيغة المعلنة لا يعكس توازناً بين الأطراف، بل يميل بوضوح إلى الطرفين الأقوى في إدارة الشروط: إسرائيل والولايات المتحدة، مقابل مكاسب لبنانية ممكنة لكنها مؤجلة، ومشروطة، ومقيدة بمسار تنفيذ طويل ومعقد.



