أسامة حمدي يعيد رسم واقعة الطف ليمنحها حياة جديدة داخل ألوان اللوحة

المراقب العراقي/ أميرة ناجي..
ليست كل المآسي قابلة أن تُرسم، فهناك فواجع يتوقف أمامها الفن عاجزاً عن المسافة ويصبح الفنان جزءاً من الألم الذي يحاول الإمساك به. وكربلاء واحدة من تلك اللحظات التي لا تستطيع الذاكرة أن تضعها في الماضي، لأنها مازالت حاضرةً في الوجدان، كلما حاول الزمن أن يطويها أعادتها الروح أكثر وضوحاً ووجعاً.
من هذه المنطقة المضيئة بالألم، يقف الفنان أسامة حمدي أمام الإمام الحسين (ع) لا ليعيد تصوير واقعة تأريخية، وإنما ليمنحها حياةً جديدة داخل اللون.
لكن ما يلفت في هذه اللوحة ليس المشهد وحده، وإنما القرار الإنساني الذي اتخذه الفنان أثناء رسمه. فقد يقول أسامة حمدي: “لم أستطع أن أرسمه مقطّعا، قلبي لا يتحمل هذا الألم. هذه العبارة هي مفتاح اللوحة لم يرفض رسم المأساة، وإنما رفض أن يكون جسد الحسين (ع) مرةً أخرى ضحيةً للفرشاة. اختار أن يرسمه كاملاً، ممدداً على أرض كربلاء، محتفظاً بكرامته وهيبته، وكأن الفن هنا يستعيد للحسين صورته التي أراد القلب أن يحتفظ بها كاملة، لا تمزقها قسوة المشهد.
وهنا تتحول اكتمالية الجسد إلى معنى يتجاوز الشكل، فالموت يستطيع أن يصيب الجسد، لكنه لا يستطيع أن يمس الموقف الذي بقي حياً بعده. لذلك لا تبدو اللوحة مشغولةً بالموت وحده، بل بما بقي من الحسين بعد الموت.
في مركز العمل، يستلقي الجسد فوق الأرض، بينما تتجمع حوله الشخصيات في حركة مشحونة بالحزن. الأيدي تمتد إليه.
أما اللون، فهو أحد أهم مفاتيح القراءة. فالترابي والأحمر والرمادي يثقل سطح اللوحة بذاكرة الأرض والدم والفقد بينما تتسلل الدرجات الذهبية من الخلف، فتمنح المشهد نوراً غريباً نوراً لا يلغي الحزن وإنما يولد منه.
كأن أسامة حمدي أراد أن يقول إن كربلاء لم تترك خلفها ظلاماً فقط، وإنما تركت أيضاً ذلك الضوء الذي ظل يتنقل من جيل إلى جيل. وفي عمق هذا المشهد، يستحضر الفنان حضور الزهراء “عليها السلام”، والإمام علي “عليه السلام”، ورسول الله “صلى الله عليه وسلم”. لا يحتاج هذا الحضور إلى أن يكون مرسوماً بملامح مباشرة حتى نشعر به فالفاجعة نفسها تستدعيهم. كيف يمكن أن يُرسم الحسين في لحظة استشهاده من دون أن يمرّ القلب بصورة أمه؟ وكيف يمكن أن يُستحضر الابن من دون أن يحضر في الذاكرة أبوه؟ وكيف يمكن أن نرى الحسين (ع) من دون أن نشعر بظل جده رسول الله “صلى الله عليه وسلم”، وبالمحبة التي جعلت مصابه يتجاوز حدود المكان والزمان.
لهذا تبدو كربلاء في لوحة أسامة حمدي أكبر من مشهدٍ منفرد. إنها لحظة اجتمعت فيها القرابة والرسالة والفقد ثم تحولت إلى ذاكرة إنسانية مفتوحة.
واللافت أن الفنان لا يغرق المشهد في التفاصيل الدامية رغم حضور الدم في أسفل اللوحة. فهو يترك للمأساة هيبتها، ولا يحولها إلى استعراض بصري. إن العين ترى الجرح، لكن القلب يذهب إلى ما وراء الجرح وهذه هي قوة العمل.
فأسامة حمدي لا يرسم الحسين لكي يقول لنا كيف مات، وإنما لكي يسألنا ماذا بقي منه، بقي الموقف، بقيت الكرامة، بقيت القدرة على أن يتحول الألم إلى معنى، والموت إلى ذاكرة، والدم إلى سؤال لا يتوقف عن الحضور في ضمير الإنسان.
ومن هنا، يصبح الضوء في أعلى اللوحة أكثر من قيمة لونية إنه امتداد رمزي للحضور الذي لم تستطع الفاجعة إطفاءه. فالسماء تبدو كأنها تعرف ما حدث، والأرض تحمل الجسد، بينما يبقى الضوء شاهداً على أن النهاية الجسدية ليست نهاية الحكاية.
لقد رسم أسامة حمدي الحسين كاملاً لأن قلبه لم يحتمل أن يراه مقطعاً، وهذه ليست مجرد استجابة عاطفية من فنان أمام مشهد مؤلم إنها رؤية جمالية كاملة. لقد اختار أن يجعل الحسين في اللوحة أكبر من الجرح، وأبقى من الموت، وأوسع من اللحظة التي انتهى فيها جسده.
وهنا يلتقي الفن بالذاكرة في أجمل حالاتهما حين لا يعيدان الماضي كما كان، وإنما يمنحانه قدرةً جديدة على الحضور. لذلك لا تخرج العين من هذه اللوحة وهي تحمل صورة مأساة فقط، بل تحمل سؤالاً عن الإنسان، وعن موقفه حين يصبح الاختيار أثقل من الحياة. وربما لهذا السبب تحديداً لم يستطع الفنان أن يرسم الحسين مقطّعاً. لقد رسمه كما استطاع قلبه أن يراه، كاملاً في حضرة الموت، حاضراً في قلب الفاجعة ومضيئاً في ذاكرة لا يريد لها الزمن أن تنطفئ.



