اراء

طاولة جنيف… حين اصطدمت الرؤية الإسرائيلية بحدود القوة

بقلم: وسام إسماعيل..


شهدت الساحة السياسية والأمنية في الكيان الإسرائيلي جدلاً حاداً عكس إرباكاً واضحاً واختلافاً عميقاً حول كيفية التعاطي مع مذكّرة التفاهم بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة.
فقد كان واضحاً أنّ مسار التفاوض قد عكس رؤية الجمهورية الإسلامية لنتائج المعركة وأكّد سريّتها التي يمكن اختصارها بأنّ الانتصار الإيراني لم يتجسّد فقط بالصمود وإفشال الأهداف، وإنما بنجاح الجمهورية الإسلامية في فرض نفسها كطرف مؤثّر بشكل حاسم في مجال الاستقرار العالمي لأسواق الطاقة، وكذلك في موضوع وحدة الساحات التي كانت هدفاً أساسياً للعدوان الأميركي الإسرائيلي على غزة ولبنان وإيران، من دون أن ننسى نجاح الجمهورية الإسلامية بفرض رؤيتها على ترتيب أولويات التفاوض حيث سيُناقش البرنامج النووي الإيراني فقط بعد وقف الحرب وتنفيذ بنود مذكّرة التفاهم فيما يتعلّق بالحصار والعقوبات والحرب على لبنان.
ورغم أنّ حقيقة ما جرى في المستوطنات المحاذية للقطاع يوم 7 أكتوبر لم تظهر إلى العلن من قبل جهة محايدة، وقف العالم الغربي وبعض العربي إلى جانب الكيان الإسرائيلي وسوَق لما اعتبره مظلومية تعرّض لها الكيان متناسيين مساراً تاريخياً من الوحشية والاحتلال الذي كان سبباً لما حصل في ذلك اليوم.
أما رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو، فقد ذهب بعيداً في محاولة استغلال هذا الدعم بما يناسب طموحاته الشخصية وأحلام من سبقه ممن يُنظر إليهم على أنهم من القادة التاريخيين والمؤثّرين في مسار نشأة الكيان. فمن خلال مراجعة تصريحاته المتكرّرة منذ طوفان الأقصى، يمكن ملاحظة أنّ أمن الكيان والمستوطنين لم يعد مرتبطاً في وعيه السياسي بالحماية المباشرة والردع، وإنما ظهر مرتبطاً بشكل أعمق بأربعة مرتكزات باتت منذ تلك اللحظة تشكّل محور الرؤية الاستراتيجية والأمنية المستقبلية للكيان:
 1- تغيير الشرق الأوسط والتوازنات الإقليمية بالكامل، أي دفع الأعداء إلى الاستسلام والتسليم بالواقع الإسرائيلي. 
2- الاعتراف بالكيان كقوة إقليمية ودولية عظمى لا يمكن مواجهتها.
 3- تفكيك محور المقاومة وعزل إيران تمهيداً لإسقاطها.
4- تحقيق حلم “إسرائيل الكبرى” من خلال التوسّع الأوّلي في سوريا ولبنان وتحويل قادة المنطقة إلى مجرّد ولاة يتحرّكون فقط ضمن إطار المقبول إسرائيلياً.
 في مقاربة تلك المرتكزات الأربعة، يمكن القول إنّ الهدف الأسمى في وعي نتنياهو وحكومته ومن خلفهم قادة المعارضة الذين توقّفوا في المرحلة السابقة عن مهاجمة الحكومة كان يتجسّد في محاولة تأسيس مجال حيوي إسرائيلي لبناء استراتيجية أمنية، ولمنظومة مصالح إسرائيلية قادرة على التحرّر من عقدة الارتباط بالأهداف والرؤى الاستراتيجية الأميركية متى كانت لا تتناسب مع التطلّعات الإسرائيلية.
وإذا عدنا إلى الماضي القريب، سنكتشف أنّ العدوان الإسرائيلي على إيران في حزيران 2025 لم يكن بعيداً عن هذا التوجّه، حيث حاول نتنياهو، بعد تغيير موازين القوى في لبنان في حرب 2024 ونجاحه في فرض حرية حركته في الساحة اللبنانية وتكريسه للاغتيالات والتدمير على الساحة اللبنانية كأمر واقع لا يمكن لأحد التأثير فيه، أن يؤكّد للجانب الأميركي قدرة الكيان على إدارة مشاريعه وحده من دون الحاجة لأيّ مساعدة أو دعم. 
بطبيعة الحال لم تكن نتيجة ذلك العدوان متطابقة مع ادّعاءات القوة والفاعلية التي سوّق لها نتنياهو حيث اضطرّ بعد أيام قليلة لاستجداء التدخّل الأميركي، وبدأ الإعلام الإسرائيلي الحديث عن أنّ استمرار تلك المعركة لأكثر من أسبوعين سيؤدّي إلى انهيار الكيان. وعليه وجد نتنياهو أنّ العائق الأكبر أمام تحقيق طموحاته يتمثّل بإيران الجمهورية ومن الضروري العمل على إقناع الأميركيين بخوض المعركة الكبرى من أجل إسقاطها وتدميرها. 
وبالفعل، رغم تأكيد الكثير من السياسيين والمحللين الأميركيين أنّ الجمهورية الإسلامية لا تشكّل خطراً استراتيجياً داهماً يتطلّب تدخّلاً عسكرياً، ورغم تأكيدهم أنّ استراتيجية الاحتواء والحصار ما زالت كافية وتؤدّي غرضها، سقطت إدارة ترامب في فخّ الضغوط الإسرائيلية وانجرّت لشنّ عدوان كان يستهدف إسقاط النظام الايراني والقضاء على البرنامج النووي، وبطبيعة الحال تدمير محور المقاومة وإنهاء جبهاته بما يخدم ما ذكرناه سابقاً من مرتكزات يستهدف نتنياهو إرساءها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى