كربلاء اليوم بلا سيف.. عاشوراء الذكرى والمعيار في محاربة الفساد

بقلم: محمد الخزاعي..
لا يحتاج العراق اليوم إلى من يبكي الحسين (عليه السلام) استذكاراً عاطفياً وموقفاً عقائدياً؛ بل إلى من يفعل ما فعله الحسين (ع) ضد طاغية عصره وزبانيته المفسدين حُكماً، مالاً، وخُلقاً على البلاد والعباد.
هذه هي الحقيقة التي تتوارى خلف أكمة إصلاح النظام السياسي والمالي والمؤسساتي التي يزعم بعض المتصدين لمواقع المسؤولية (محاربتها)، إلا أنها لا تعدو سوى غيض من فيض ما يحصل داخل غرف صنع الصفقات، والتي خرجت إلى العلن لا من باب الحرص على المال العام؛ إنما نشر غسيل التسقيط السياسي على حبال التسريبات والفضائح، لتكون مادة إلهاء وإشغال للرأي العام بغية تمرير ماهو أكبر أو محاولة لامتصاص نقمة الشارع الذي ما فتئ ينصدم إلا عندما يقولون إن فلانا بريء.
الأمة اليوم لا تنقصها الدموع ولا ينقصها الخطاب العاطفي المكرر عن مأساة كربلاء المقدسة، بل ينقصها أن تستخرج من تلك الواقعة أداة فعلية للمحاسبة، معياراً صارماً تُقاس عليه طبقة من السياسيين تتقاطر فضائحهم المالية والأخلاقية أمام رأي عام؛ بات يعرف أكثر مما يُسمح له، والسؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة ليس كيف نتذكر الحسين (ع) بل؛ لماذا نحتاج إليه الآن بالتحديد؟، في هذه اللحظة التي تتكشف فيها شبكات مال موازية للدولة وتسريبات أخلاقية تتقاطع توقيتاتها مع ملفات فساد أكبر بكثير من حجم الفضيحة الواحدة.
الحاجة إلى الحسين (ع) ليست حاجة وجدانية، بل حاجة وظيفية بالمعنى السياسي الدقيق، لأن ثورته لم تكن انتفاضة عابرة؛ بل كانت تشخيصاً دقيقاً لمرض الحكم حين يتحول من أمانة إلى وراثة ومن خدمة إلى استثمار شخصي، وحين قال (ع) “إنه خرج طلباً للإصلاح في أمة جده لا بطراً ولا أشراً ولا ظالماً ولا مفسداً” فإنه وضع أربعة معايير ما تزال صالحة للقياس بعد أربعة عشر قرناً.
فمن يحكم بطراً يستعرض ثروته أمام شعب يقتصد في رغيفه، ومن يحكم أشراً يتباهى بنفوذه في وجه مؤسسات الدولة الرسمية، ومن يحكم ظالماً يوزع المناصب والعقود بمنطق الحصة لا الكفاية، ومن يحكم مفسداً ينهب المال العام وهو يعلم أن لا أحد سيسأله، وهذه المعايير الأربعة لو طُبّقت اليوم بدقة على من يتصدّون مواقع المسؤولية والمشهد السياسي العراقي لسقط منها كثيرون قبل أن تكتمل القائمة.
الفضائح الأخيرة التي شغلت الرأي العام، من صفقات مشبوهة وتلاعب بالمال العام إلى تسريبات أخلاقية لمسؤولين متنفذين، ليست حوادث منفصلة؛ بل عرض لمنطق حكم تحوّل فيه المنصب إلى رخصة استثمار شخصي، ولا بد من قراءة هذه الفضائح بعينين لا بعين واحدة -ولا نقصد التعميم فلو خُليت؛ قُلبت-:.
العين الأولى: تنظر إلى الفعل نفسه وتدعو إلى محاسبته قانونياً من دون تستر أو مجاملة سياسية.
والعين الثانية: تنظر إلى توقيت كشفه وطريقة تسويقه إعلامياً -على أني لا أبرّئ بعض المؤسسات الإعلامية وما يُسمّون بالمؤثرين من ساحة الإفادة مالياً وتسويقياً مما يجري-، لأن من يدرس آليات الصراع السياسي في العراق يعرف أن كثيراً من هذه التسريبات الأخلاقية تُطلق في لحظات محددة بدقة متناهية، ليس بدافع الإصلاح، بل بدافع تصفية حسابات بين أطراف متنازعة على الحصص والمكاسب وبخاصة إن كابينة السيد الزيدي لم تكتمل بعد، وهذا لا يعني أن الفعل المنشور غير صحيح، بل يعني أن من يكشفه ليس بالضرورة أنظف من المكشوف عنه، والنتيجة العملية لهذا النمط؛ هي تحويل الرأي العام إلى ساحة استهلاك لفضيحة أخلاقية، بينما تُمرَّر في الخفاء ملفات مالية أكبر بكثير لا تحظى بالاهتمام نفسه، وهذا تحديداً ما يجب أن يحذره الشارع العراقي، وهو أن يفصل وعيه بين القضية الأخلاقية المعزولة والقضية المالية الكبرى التي تستهدف خزينة الدولة، فحرف البوصلة عن الاختلاسات الكبرى للمال العام نحو فضيحة جنسية أو شخصية هو أسلوب معروف في الحرب النفسية يُتقنه من يملك المال ويملك معه أدوات صناعة الرأي العام.
من هنا، تُصبح ثورة الحسين (ع) الإصلاحية أكثر ضرورة للعِبرة، لأن المعركة التي خاضها في كربلاء المقدسة لم تكن معركة سلاح فقط بل كانت معركة وعي، إذ رفض أن يساوم على الحقيقة حتى وهو يعلم أن الموازين العسكرية كلها ضده، وحين سُئل عن سبب خروجه لم يتحدث بلغة المظلومية العاطفية بل بلغة المعيار السياسي، وهذا ما نحتاجه اليوم بالضبط، لا خطاباً حسينياً عاطفياً يُستهلك في أيام شهر محرم إلى الأربعينية مشيّاً وخدمةً للرياء والبهرجة ثم يُنسى، بل معياراً حسينياً يُطبَّق على كلّ من يتصدى للمنصب العام طوال مدة مسؤوليته.
فالمسؤول -من أي ديانة أو عرق أو مذهب كان- الذي يرتدي ثوب الدين والصلاح والأعراف الاجتماعية والعشائرية ويعزف على وتر الاستمالة العاطفية للمجتمع، ثم يوقّع عقداً مشبوهاً في مكتبه أو منتجعه الخاص؛ نفسه يتشدّق أمام الرأي العام أنه بريء، وأن استهدافه جاء نتيجة لتلك الانتماءات التي هي براء منه.
إنّ الحسين (عليه السلام) خرج بسبعين رجلاً ومعهم النساء والأطفال في مواجهة جيش عرمرم من دون أن يساوم على مبدأ واحد، فكيف يُقاس بمن يملك جيوشاً من الحمايات والمستشارين والاقتصاديات الحزبية والجيوش الإلكترونية ويساوم على أبسط قواعد الإدارة الرشيدة؟!، وكيف يُقاس عطش الحسين (ع) عند نهر العلقمي وهو يرفض أن يشرب احتجاجاً على الظلم، بشُحّ الشعب العراقي اليوم وهو يرى من يسرف من معين المال العام من دون شبع. هذه المقارنة ليست شقشقة عاطفية؛ بل مقياساً سياسياً صريحاً يكشف المسافة الحقيقية بين من يحمل الاسم ومن يحمل النهج.
والتحدي الأخطر في هذا المشهد ليس الفساد بوصفه ظاهرة فردية، بل بوصفه بنية اقتصادية موازية بدأت تتشكل بثبات داخل الدولة العراقية، شبكات مالية ضخمة نمت في ظل غياب الرقابة الفعلية حتى أصبحت أكبر تأثيراً من بعض الوزارات الرسمية، تمتلك القدرة على توجيه قرارات اقتصادية وتشكيل تحالفات سياسية تخدم مصالحها الخاصة، وهذه الشبكات لا تتشكل بمعزل عن السلطة بل من داخلها، وهي تتغذى على ثغرات القوانين وترهل أجهزة الرقابة والنزاهة وغياب واضح للإفصاح المالي، وإذا استمر هذا النمط؛ فإن الخطر لا يقتصر على نهب المال العام، بل يتجاوزه إلى تفكيك مفهوم الدولة نفسها، لأن الدولة التي تتقاسم سيادتها الاقتصادية مع كيانات موازية غير خاضعة للمحاسبة تتحول تدريجيا إلى هيكل شكلي بلا سلطة فعلية.
وهنا تكمن المفارقة التي يجب أن تنتبه لها الكتل السياسية نفسها قبل أن تتنبه لها الجماهير، فهذه الشبكات الاقتصادية التي تُبنى اليوم كضمانة للبقاء في السلطة ستكون غداً السبب المباشر للسقوط، لأن التاريخ السياسي في المنطقة وغيرها من أرجاء المعمورة؛ يُظهر بثبات أن الأنظمة التي بنت قوتها على اقتصاد الريع والاستثناءات والحمايات؛ هي نفسها التي انهارت بأسرع مما توقعت قياداتها، والسبب بسيط، أن الشعوب لا تصبر إلى الأبد، وما يبدو اليوم هدوءاً واستيعاباً قد يكون في حقيقته تراكماً صامتاً لغضب ينتظر لحظته، ولكم في أحداث تشرين 2019 عِظة وعِبرة.
وهذا الفساد بصورته الاقتصادية الموازية يفتح باباً خطيراً آخر يتجاوز الداخل العراقي إلى من يتربص بالعراق من الخارج، فأعداء العراق، ومن لا يريدون له أن يكون دولة مستقرة قادرة على بناء قرارها بمعزل عن أجندات الهيمنة الإقليمية والدولية، يجدون في هذه الفضائح المالية والأخلاقية فرصة لا تُعوَّض لضرب المجتمع من الداخل من دون الحاجة إلى سلاح أو عقوبات مباشرة، فيكفي أن تُترك هذه الملفات تتفجر تلقائياً لتؤدي وظيفتها التفكيكية، إذ إنها تُستخدم لتعميق الهوة بين الشعب وطبقته السياسية وتعمل على ترسيخ صورة عن العراق كدولة فاشلة لا تستحق الثقة، وهذه الصورة بالذات هي ما تحتاجه القوى التي تريد إبقاء العراق رهين التبعية الاقتصادية للخارج، لأن الدولة المنخورة من الداخل لا تحتاج من يحتلها عسكرياً؛ بل يكفي أن تُترك تستهلك نفسها بنفسها، ومن هنا أقول لرئيس الوزراء السيد علي الزيدي: إن معركة الفساد ليست معركة محلية بحتة بل هي جزء من معركة السيادة الوطنية، وكل دينار يُنهب من خزينة الدولة هو إصابة مباشرة لفكرة الاستقلال الاقتصادي والسياسي، وكل تغطية سياسية أو إعلامية لمسؤول متنفذ متورط هي مشاركة غير مباشرة في تمكين أجندات تريد عراقاً تابعاً لا عراقاً سيداً.
أمام هذا المشهد تتوافر عديد من الحلول الممكنة للواقع العراقي لا تبدأ بخطاب أخلاقي بل بإجراءات بنيوية محددة، أولها: إعادة بناء منظومة الرقابة المالية والقضائية بمعزل تام عن النفوذ السياسي، فلا يمكن لهيئة نزاهة أو قضاء أن يقوم بدوره الحقيقي وهو محاصر بشبكة من المصالح المتشابكة بين الكتل المختلفة، ولا بد من قانون صريح يُلزم بالإفصاح عن الذمم المالية لكل من يتولى منصباً عاماً قبل توليه وبعد تركه مع آليات تتبع فعلية لا شكلية.
وثانيها: فصل السلطة عن المال بمعنى؛ تفكيك الشبكات الاقتصادية التي نمت تحت الحماية السياسية وهذا يتطلب جرأة تشريعية حقيقية لا بيانات تضامن إعلامية.
ثالثها: تمكين الصحافة الاستقصائية المستقلة بدلاً من محاصرتها لأن الإعلام الحر هو خط الدفاع الأول عن المال العام.
ورابعها: تفعيل دور المجتمع المدني والمنظمات المتخصصة في رصد الفساد بعيداً عن الاستقطاب الحزبي.
وخامسها: وهو الأعمق: تغيير الثقافة السياسية نفسها بحيث يصبح المنصب العام أمانة فعلية لا مصدر ثراء، وهذا يحتاج جيلاً سياسياً جديداً ينشأ على هذه القيم بمعزل عن منطق المحاصصة الذي حكم العراق لأكثر من عقدين.



