اراء

كيف تحوّلت نهاية الحرب إلى مكسب لـ ” طهران” وخسارة استراتيجية لإسرائيل؟

بقلم: جهاد حيدر..

لم يكن الجدل “الإسرائيلي” حول مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية نابعًا من رفض إنهاء الحرب فقط، وإنما أيضًا انطلاقًا من طبيعة التسوية التي رافقت هذا الإنهاء. فالمعضلة، وفق القراءة “الإسرائيلية”، تكمُنُ في أن المذكرة أعادت ترتيب أولويات الصراع بطريقة منحت إيران مكاسب سياسية واقتصادية واستراتيجية مبكرة، بينما أرجأت القضايا التي تعتبرها “إسرائيل” جوهر الحرب إلى مفاوضات لاحقة أو تركتها من دون معالجة واضحة. وبذلك، انتقلت طهران من موقع الطرف الذي كان يُفترض أن يدفع ثمن الحرب إلى موقع الشريك الذي يفاوض على مستقبل المنطقة من موقع أكثر قوة.

ومن هذه الزاوية، تبدو المذكرة كأنها تعكس انتقال مركز الثقل من الميدان العسكري إلى الطاولة السياسية، فـ”إسرائيل” تزعم أنها نجحت خلال الحرب، في تحقيق إنجازات عملياتية وعسكرية، إلا أن ترجمة هذه الإنجازات إلى مكاسب سياسية طويلة الأمد لم تتحقق. وفي المقابل، استطاعت إيران استثمار صمودها العسكري والسياسي لتحويل نهاية الحرب إلى بداية مرحلة تفاوضية أكثر ملاءمة لمصالحها.

أولًا: تأجيل الملفات الجوهرية.. أكبر إنجاز تفاوضي لإيران

أبرز ما تكشفه المذكرة هو أن الملفات التي شكلت المبرر الأساسي للحرب لم تُحسم، بل أُجِّلت إلى الاتفاق النهائي. فمصير التخصيب، ومستقبل المواد المخصبة، وآليات الرقابة، بقيت جميعها خارج إطار مذكرة التفاهم.

وهذا التأجيل لا يمثل مجرد مسألة إجرائية، بل يمنح إيران وقتًا ثمينًا ويبدل ميزان التفاوض. فبدلًا من أن تدخل الجولة المقبلة تحت ضغط العقوبات والعمليات العسكرية، تدخلها بعد حصولها على حزمة واسعة من المكاسب الاقتصادية والسياسية، بينما تكون الولايات المتحدة قد تخلت مسبقًا عن جزء مهم من أدوات الضغط التي كانت تملكها.

ثانيًا: إسقاط الملف الصاروخي من أولويات التسوية

من أكثر ما أثار القلق “الإسرائيلي” غياب البرنامج الصاروخي الإيراني عن المذكرة بصورة شبه كاملة.

فالبرنامج الصاروخي كان دائمًا أحد أعمدة التهديد الذي تتحدث عنه “إسرائيل”، إلا أن الوثيقة لم تتضمن أي التزام إيراني بشأنه. بل إن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي اعتبر فيها امتلاك إيران للصواريخ أمرًا طبيعيًا ما دامت دول أخرى في المنطقة تمتلكها، حملت رسالة واضحة بأن الإدارة الأميركية لم تعد تنظر إلى هذا الملف باعتباره شرطًا لإنهاء الأزمة.

ثالثًا: مضيق هرمز من ورقة ضغط إلى دور إقليمي معترف به

قبلت إيران عدم جباية رسوم لمدة ستين يومًا، وذهبت أبعد من ذلك عندما نصت على حوار تقوده إيران مع سلطنة عمان والدول الساحلية حول إدارة الخدمات البحرية والإدارية في المضيق مستقبلًا.

وهنا تكمُنُ الدلالة السياسية الحقيقية، فبدلًا من التعامل مع إيران كما يدَّعون  مصدر تهديد للملاحة الدولية، أصبحت شريكًا في رسم النظام الإداري للمضيق الذي يعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.

وبذلك، لم تخسر طهران ورقة هرمز، بل تحولت هذه الورقة إلى عنصر يمنحها دورًا مؤسسيًا في أية ترتيبات مستقبلية، مع إبقاء الباب مفتوحًا أمام أدوات غير مباشرة لتنظيم المرور البحري.

رابعًا: مكاسب اقتصادية تعزز استقرار النظام

اقتصاديًا، تبدو المكاسب الإيرانية أكثر وضوحًا، فالمذكرة تسمح باستئناف تصدير النفط الخام والمنتجات البتروكيميائية، وهو ما يعني إعادة فتح أهم مصدر للعملات الصعبة بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني.

كما أنها تتيح الإفراج عن الأموال والأصول المجمدة، من دون حصر استخدامها بالمجالات الإنسانية فقط، بل تمنح البنك المركزي الإيراني هامشًا واسعًا في تحديد أوجه إنفاقها.

خامسًا: إدخال لبنان في قلب التفاهم

من أهم التحولات التي أبرزتها المذكرة الربط المباشر بين الساحة اللبنانية والتفاهم الأمريكي-الإيراني.

فأي تصعيد “إسرائيلي” في لبنان يمكن لإيران أن تعتبره تهديدًا لتنفيذ الاتفاق أو سببًا لتعثر المفاوضات المقبلة، ما يمنحها أداة ضغط سياسية إضافية على واشنطن و”تل أبيب” معًا.

في المقابل، تنظر “إسرائيل” إلى نتائج المذكرة باعتبارها دليلًا على الفجوة بين الإنجاز العسكري والنتيجة السياسية.

فالهدف “الإسرائيلي” لم يكن مجرد وقف الحرب، بل تحويلها إلى واقع استراتيجي دائم يمنع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية والصاروخية ويضمن استمرار حرية العمل “الإسرائيلية”، خصوصًا في لبنان.

غير أن المذكرة لم تحقق أيًا من هذه الأهداف بصورة نهائية، بل أجلتها أو تجاوزتها، بينما منحت إيران مكاسب مباشرة منذ اليوم الأول.

سادسا: استبعاد “إسرائيل” من رسم النهاية

ومن أكثر الرسائل إيلامًا داخل “إسرائيل” أن واشنطن تفاوضت مع طهران حول شكل نهاية الحرب من دون مشاركة “إسرائيل” في صياغة هذه الترتيبات.

فـ”إسرائيل” كانت شريكًا رئيسًا في العدوان العسكري، لكنها لم تكن شريكًا في إنتاج التسوية السياسية.

ويزداد هذا الشعور لأن القضايا التي تناولتها المذكرة تمس الأمن “الإسرائيلي” مباشرة؛ من مستقبل البرنامج النووي، إلى لبنان، وحرية العمل ضد حزب الله، وآليات الرقابة، ومع ذلك صيغت جميعها داخل إطار أمريكي-إيراني.

الخاتمة

تكشف مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية عن مفارقة استراتيجية لافتة. فالدولة التي دخلت الحرب تحت ضغط عسكري واقتصادي كبير خرجت منها وهي تمتلك مسارًا لرفع العقوبات، واستئناف تصدير النفط، واستعادة الأصول المجمدة، وصندوقًا لإعادة الإعمار، ودورًا معترفًا به في مضيق هرمز، إضافة إلى ربط الملف اللبناني بالمفاوضات مع واشنطن، من دون تقديم تنازلات حاسمة في الملفات التي كانت تمثل جوهر الصراع، وفي مقدمتها الصواريخ ومستقبل البرنامج النووي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى