أوروبا وروسيا على أعتاب مواجهة استراتيجية جديدة.. من أوكرانيا والبلطيق إلى القوقاز

بقلم: جمال واكيم..
يشهد النظام الأوروبي منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 تحولات جيوسياسية عميقة أعادت إلى الواجهة أجواء الحرب الباردة، ولكن في ظروف دولية مختلفة وأكثر تعقيداً.
فبعد أكثر من أربعة أعوام على الحرب، لم تعد المواجهة بين روسيا والغرب محصورة بالساحة الأوكرانية، بل أخذت تمتد تدريجياً إلى مناطق أخرى تعتبرها موسكو جزءاً من مجالها الحيوي التقليدي، من بحر البلطيق شمالاً إلى منطقة القوقاز جنوباً.
وفي هذا السياق، تبرز التطورات الأخيرة المتعلقة بإطلاق الاتحاد الأوروبي مفاوضات العضوية مع أوكرانيا ومولدوفا، إلى جانب تصاعد الحديث عن انفتاح أوروبي متزايد تجاه أرمينيا، باعتبارها مؤشرات على توسع المشروع الأوروبي شرقاً بصورة غير مسبوقة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.
القرار بضم أوكرانيا ومولدوفا إلى بروكسيل
لقد شكل قرار الاتحاد الأوروبي استئناف مفاوضات الانضمام مع أوكرانيا ومولدوفا نقطة تحول مهمة في الصراع الأوروبي الروسي. فبالنسبة لبروكسل، لا يتعلق الأمر فقط بتوسيع الاتحاد الأوروبي، بل بإعادة رسم الخريطة الأمنية والسياسية للقارة الأوروبية. أما بالنسبة لموسكو، فإن انضمام أوكرانيا ومولدوفا إلى المنظومة الأوروبية يمثل تهديداً مباشراً لفكرة “المجال القريب” التي تعتبرها روسيا أساساً لأمنها القومي منذ تسعينيات القرن الماضي.
ومنذ انهيار الاتحاد السوفياتي، تعاملت القيادة الروسية مع الجمهوريات السوفياتية السابقة باعتبارها مناطق عازلة تفصلها عن الغرب. وقد ازداد هذا الشعور بعد توسع حلف شمال الأطلسي شرقاً ليشمل بولندا ودول البلطيق ورومانيا وبلغاريا، وغيرها من الدول التي كانت تقع ضمن المجال الاستراتيجي السوفياتي. واليوم ترى موسكو أن الاتحاد الأوروبي يؤدي دوراً مكملاً لدور حلف الأطلسي، حتى وإن كان بوسائل اقتصادية وسياسية بدلاً من الوسائل العسكرية المباشرة.
وتدرك العواصم الأوروبية أن نجاح أوكرانيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي سيشكل انتصاراً استراتيجياً كبيراً للغرب في مواجهة روسيا. لذلك يجري تقديم الدعم السياسي والاقتصادي لكييف رغم الصعوبات الهائلة التي تواجهها الدولة الأوكرانية بسبب الحرب المستمرة. كما أن مولدوفا تمثل بدورها أهمية خاصة لأنها تقع بين أوكرانيا ورومانيا وتشكل حلقة إضافية في عملية تقليص النفوذ الروسي في أوروبا الشرقية.
بالتوازي مع ذلك، تتزايد مؤشرات التوتر العسكري بين روسيا والدول الأوروبية. فقد أعلنت السويد مؤخراً اعتراض مقاتلات روسية قرب مجالها الجوي فوق بحر البلطيق. وعلى الرغم من عدم حصول اختراق فعلي للأجواء السويدية، فإن الحادثة تعكس مستوى الاحتكاك المتزايد بين روسيا ودول حلف الأطلسي في المنطقة. ومنذ انضمام السويد وفنلندا إلى الحلف، أصبح بحر البلطيق عملياً بحيرة أطلسية شبه مغلقة، الأمر الذي تعتبره موسكو تحولاً استراتيجياً خطيراً يحد من حرية حركتها العسكرية والبحرية.
كما أن بريطانيا صعدت من إجراءاتها ضد المصالح الروسية عندما نفذت عملية عسكرية لاعتراض ناقلة نفط مرتبطة بما يعرف بـ”أسطول الظل” الروسي في القناة الإنجليزية. ويعكس هذا التطور انتقال المواجهة من العقوبات الاقتصادية التقليدية إلى إجراءات أكثر مباشرة تستهدف مصادر التمويل الروسية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا. ومن وجهة النظر الروسية، فإن هذه الخطوات تمثل محاولة غربية لخنق الاقتصاد الروسي وإضعاف قدرته على مواصلة الحرب.
نقل التهديد إلى القوقاز
غير أن التطور الأكثر أهمية على المدى البعيد قد لا يكون في أوكرانيا أو بحر البلطيق، بل في منطقة القوقاز. فخلال السنوات الأخيرة شهدت أرمينيا تحولاً تدريجياً في توجهاتها الخارجية، خاصة بعد الهزائم التي تعرضت لها في نزاع ناغورنو كاراباخ وفشل روسيا في توفير الحماية التي كانت تتوقعها يريفان بموجب التحالف التقليدي بين البلدين.
وقد دفع ذلك رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان إلى البحث عن بدائل استراتيجية جديدة، فازدادت العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، كما بدأت أرمينيا تخفف من اعتمادها السياسي والأمني على موسكو. وفي الوقت نفسه، ارتفعت الأصوات داخل بعض الأوساط الأوروبية الداعية إلى تعزيز اندماج أرمينيا بالمؤسسات الأوروبية، سواء عبر اتفاقيات الشراكة أم عبر فتح آفاق بعيدة المدى للعضوية الأوروبية.
بالنسبة لروسيا، فإن هذا الاحتمال يحمل أبعاداً استراتيجية تتجاوز بكثير حجم أرمينيا الجغرافي أو الاقتصادي. فالقوقاز يمثل إحدى أكثر المناطق حساسية للأمن القومي الروسي. ومنذ القرن التاسع عشر اعتبرت الإمبراطوريات الروسية المتعاقبة أن السيطرة أو النفوذ في القوقاز يشكل خط الدفاع الأول عن الأراضي الروسية الجنوبية. كما أن المنطقة ترتبط مباشرة بممرات الطاقة الممتدة بين بحر قزوين والبحر الأسود وتركيا وأوروبا.
إن اقتراب أرمينيا من الاتحاد الأوروبي قد يؤدي من وجهة نظر موسكو إلى اختراق غربي جديد للفضاء السوفياتي السابق، ولكن هذه المرة من البوابة الجنوبية. وإذا ما أضيفت أرمينيا إلى أوكرانيا ومولدوفا وجورجيا التي تسعى بدورها إلى تعزيز علاقاتها الأوروبية، فإن روسيا ستجد نفسها أمام واقع استراتيجي جديد يتمثل في تراجع نفوذها في معظم الجمهوريات الواقعة على حدودها الغربية والجنوبية.
وتزداد المخاوف الروسية لأن القوقاز ليس مجرد منطقة حدودية عادية، بل يجاور جمهوريات روسية حساسة مثل الشيشان وداغستان وإنغوشيا وشمال أوسيتيا. وقد شهدت هذه المناطق خلال العقود الماضية اضطرابات أمنية وصراعات انفصالية وحركات تمرد مسلحة. ولذلك تنظر موسكو بحذر شديد إلى أي توسع سياسي أو أمني غربي في المنطقة.
وفي المقابل، ترى أوروبا أن تعزيز حضورها في القوقاز يخدم عدة أهداف استراتيجية. فهو يقلل الاعتماد الأوروبي على الطاقة الروسية، ويوفر ممرات بديلة للنقل والتجارة بين أوروبا وآسيا، كما يسهم في احتواء النفوذ الروسي والإيراني في منطقة تعد من أهم الممرات الجيوسياسية في العالم.
خلاصة
لكن هذا التوسع الأوروبي يحمل في طياته مخاطر كبيرة. فروسيا التي تخوض بالفعل حرباً طويلة في أوكرانيا قد تعتبر أي محاولة لتحويل أرمينيا إلى جزء من المنظومة الأوروبية تهديداً مباشراً لأمنها القومي. وقد يدفع ذلك الكرملين إلى اتخاذ إجراءات سياسية أو اقتصادية أو حتى أمنية للحفاظ على نفوذه التقليدي في القوقاز.
وهكذا تبدو أوروبا وروسيا اليوم أمام مرحلة جديدة من الصراع الاستراتيجي الشامل. فالمواجهة لم تعد تقتصر على أوكرانيا، بل أصبحت تمتد إلى البلطيق والبحر الأسود والقوقاز. وإذا كان القرن الحادي والعشرون قد بدأ بآمال بناء شراكة بين روسيا والاتحاد الأوروبي، فإن التطورات الحالية تشير إلى أن الطرفين يتجهان نحو ترسيخ انقسام جيوسياسي طويل الأمد قد يعيد تشكيل الخريطة الأمنية لأوراسيا لعقود مقبلة.
وفي هذا الإطار، قد يتحول ملف أرمينيا خلال السنوات المقبلة إلى أحد أهم ملفات الصراع بين موسكو وبروكسل، تماماً كما كان ملف أوكرانيا خلال العقد الماضي. فبالنسبة للأوروبيين يمثل التوسع شرقاً وسيلة لتعزيز الاستقرار والنفوذ، أما بالنسبة لروسيا فهو اقتراب متزايد للبنية السياسية والأمنية الغربية من حدودها التاريخية. وبين هذين المنظورين المتناقضين تتشكل ملامح مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي الذي قد يحدد مستقبل أوروبا والقوقاز والنظام الدولي بأسره.



