اخر الأخباراوراق المراقب

الضوء الذي خرج من كربلاء

في التاريخ حروبٌ لا تُحصى، ومعارك ملأت صفحات الكتب، وساحات شهدت آلاف القتلى، لكنها انتهت بانتهاء أيامها، ولم يبق منها سوى أسماء القادة وتواريخ الوقائع. أما كربلاء فتنتمي إلى نوع مختلف من الأحداث؛ إذ لم تتحول إلى ذكرى محفوظة في أرشيف التاريخ، وإنما إلى ضوءٍ ظل يسافر عبر الزمن، جيلاً بعد جيل.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي جعل كربلاء مختلفة؟
لم يكن الإمام الحسين عليه السلام يمتلك جيشاً قادراً على تغيير موازين القوة، ولم يكن يملك دولةً أو ثروةً أو أدوات نفوذ بالمعنى السياسي المعروف. ومع ذلك استطاع أن يترك أثراً تجاوز حدود عصره وجغرافيته. وهذا ما يدفعنا إلى النظر إلى كربلاء بوصفها حدثاً أنتج قيماً أكثر مما أنتج وقائع، وصنع وعياً أكثر مما صنع انتصاراً عسكرياً.
لقد خرج من كربلاء ضوء الحرية
فالإنسان عبر التاريخ كان يخشى خسارة حياته أو مصالحه أو موقعه الاجتماعي، ولهذا كثيراً ما فضّل الصمت على المواجهة. لكن الحسين عليه السلام قدّم نموذجاً مختلفاً حين جعل الحرية قيمةً تستحق التضحية. ومنذ ذلك الوقت أصبحت كربلاء مدرسةً تعلم الإنسان أن الكرامة ليست امتيازاً تمنحه السلطة، وإنما حق يولد مع الإنسان نفسه.
وخرج من كربلاء ضوء المسؤولية
ففي عالم يميل الناس فيه إلى إلقاء اللوم على الآخرين، جاءت النهضة الحسينية لتؤكد أن الإنسان مسؤول عن موقفه قبل أن يكون مسؤولاً عن نتائجه. ولذلك لم تكن رسالة الحسين عليه السلام دعوة إلى انتظار التغيير، بل دعوة إلى أن يكون الفرد جزءاً من صناعته.
كما خرج منها ضوء الوعي
فالطغيان لا ينتصر بالقوة وحدها، بل ينتصر حين ينجح في تضليل العقول وإرباك البصائر. ولهذا لم تكن معركة كربلاء مواجهة بين سيوف فقط، بل مواجهة بين وعي وغفلة، وبين بصيرة وخداع. وربما لهذا السبب بقيت النهضة الحسينية حاضرة في الضمير الإنساني، لأن المجتمعات ما زالت تواجه بأشكال مختلفة التحدي ذاته: كيف تحافظ على وعيها وسط الضجيج والتضليل؟.
ومن كربلاء خرج ضوء الأخلاق
فالتاريخ يعرف كثيراً من الثورات التي نجحت في إسقاط خصومها، لكنها خسرت أخلاقها في الطريق. أما الحسين عليه السلام فقد قدّم نموذجاً نادراً في الجمع بين الموقف الصلب والأخلاق الرفيعة. ولهذا بقيت كربلاء رمزاً للإنسان الذي يتمسك بقيمه حتى في أشد لحظات الصراع قسوة.
ولعل أكثر ما تحتاجه المجتمعات المعاصرة اليوم هو هذا البعد الأخلاقي تحديداً. فالعالم يمتلك من المعرفة والتكنولوجيا والقدرات المادية ما لم يمتلكه في أي مرحلة سابقة، لكنه ما زال يعاني أزمات الظلم والاستغلال والحروب وفقدان المعنى. وهنا تكتسب كربلاء راهنيتها المتجددة، لأنها لا تقدم حلولاً تقنية للمشكلات، وإنما تقدم منظومة قيم تساعد الإنسان على التعامل معها.
كما خرج من كربلاء ضوء الإصلاح  
فالإصلاح في مفهوم الحسين عليه السلام لم يكن مشروعاً سياسياً ضيقاً، بل رؤية شاملة لإعادة بناء الإنسان. ولهذا بقيت عبارته الخالدة: «إني لم أخرج أشِراً ولا بطِراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي» واحدة من أكثر النصوص حضوراً في الوعي الإسلامي، لأنها تربط بين التغيير والأخلاق، وبين الإصلاح والمسؤولية.
إن الضوء الذي خرج من كربلاء لم يكن ضوءاً مادياً يُرى بالعين، بل ضوءاً من نوع آخر؛ ضوء الفكرة حين تصبح أقوى من القوة، وضوء المبدأ حين يتغلب على الخوف، وضوء الإنسان حين ينتصر لضميره.
ولهذا لم تبقَ كربلاء حاضرة لأن معركة وقعت فيها، بل لأنها كشفت قدرة الإنسان على الارتفاع فوق حسابات الربح والخسارة حين يتعلق الأمر بالحق والكرامة.
وربما لهذا السبب أيضاً لا تزال الأجيال تعود إلى الحسين عليه السلام كلما شعرت أن العالم يبتعد عن العدالة، وكلما احتاجت إلى تذكير نفسها بأن التاريخ لا يصنعه الأقوياء وحدهم، بل يصنعه أيضاً أولئك الذين امتلكوا شجاعة الوقوف إلى جانب الحقيقة.
إن الضوء الذي خرج من كربلاء ما زال يسير في ضمير الإنسانية، لا لأنه يروي قصة الماضي، وإنما لأنه يساعد الإنسان على فهم حاضره، ويمنحه القدرة على أن يرى مستقبله بعيون أكثر وعياً وكرامةً وأملاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى