اراء

الذهب والنفط في ظل التصعيد الأمريكي .. إعادة تشكيل التوازنات المالية العالمية

بقلم: جمال واكيم..

تشهد الأسواق المالية العالمية خلال عام 2026 مرحلة من التوتر وعدم اليقين نتيجة تداخل عاملين رئيسَينِ: استمرار الضغوط التضخمية في الولايات المتحدة وما نتج عنها من إبقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة، والمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران وما رافقها من مخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة العالمية. وقد انعكست هذه التطورات على حركة رؤوس الأموال وأسعار الذهب والنفط وسندات الخزينة الأمريكية، ما دفع العديد من الدول إلى إعادة النظر في سياساتها المالية والنقدية.

في هذا السياق، خفض بنك “يو بي أس” توقعاته لأسعار الذهب خلال المدى القريب بما يتراوح بين 300 و900 دولار للأونصة، مستندًا إلى قوة الاقتصاد الأميركي واستمرار متانة سوق العمل، إضافة إلى تأجيل أية تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة الأميركية إلى عام 2027. ويعني ذلك أن العوائد الحقيقية على السندات الأميركية ستبقى مرتفعة نسبيًا، ما يزيد جاذبية الأصول الدولارية مقارنة بالذهب الذي لا يدر عائدًا مباشرًا.

وقد بدا لافتًا أن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران لم يُؤدِّ إلى القفزة الكبيرة التي توقعها كثير من المستثمرين في أسعار الذهب. فعلى الرغم من أن الذهب يُعد تقليديًا ملاذًا آمنًا في أوقات الأزمات الجيوسياسية، إلا أن قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات الأميركية حدّا من اندفاع المستثمرين نحوه. ويشير ذلك إلى أن الأسواق تنظر حاليًا إلى السياسة النقدية الأميركية باعتبارها عاملًا أكثر تأثيرًا من المخاطر الجيوسياسية في تحديد اتجاهات الذهب.

غير أن هذه الصورة قد تتغير بصورة جذرية وفق تطورات المواجهة الأميركية-الإيرانية. فإيران تقع في قلب منطقة الخليج التي تنتج نحو ثلث النفط المتداول عالميًا، كما تشرف على مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية. وأي اضطراب خطير في الملاحة أو الإنتاج النفطي من شأنه أن يدفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة جدًا، وهو ما شهد العالم نماذج مشابهة له خلال أزمات النفط في سبعينيات القرن العشرين.

إن ارتفاع أسعار النفط لا يمثل مجرد مشكلة لقطاع الطاقة، بل يتحول بسرعة إلى عامل تضخمي عالمي. فزيادة تكاليف الوقود والنقل والإنتاج تنعكس على أسعار السلع والخدمات كافة، ما يدفع البنوك المركزية إلى تبني سياسات نقدية أكثر تشددًا. وفي حالة الولايات المتحدة، قد يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه مضطرًا إلى الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول أو حتى رفعها مجددًا إذا عادت موجة التضخم إلى الارتفاع نتيجة صدمة نفطية جديدة.

ومن هنا تظهر العلاقة المعقدة بين النفط والذهب وسندات الخزينة الأميركية. فعندما ترتفع أسعار النفط بشكل كبير، تحتاج الدول المستوردة للطاقة إلى توفير كميات إضافية من العملات الأجنبية لتمويل وارداتها. وفي مثل هذه الظروف قد تلجأ بعض الحكومات والبنوك المركزية إلى تسييل جزء من احتياطاتها الذهبية أو من أصولها السائلة الأخرى لتغطية فاتورة الطاقة المتزايدة.

وتستفيد الولايات المتحدة من هذه الديناميكية على أكثر من مستوى. فمن جهة يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الطلب العالمي على الدولار، لأن تجارة الطاقة الدولية ما زالت تُسعّر بصورة أساسية بالعملة الأميركية. ومن جهة ثانية يؤدي ارتفاع الفائدة إلى جذب الرساميل الأجنبية نحو سندات الخزينة الأميركية، ما يساعد واشنطن على تمويل عجزها المالي الضخم بتكلفة أقل مما قد يكون عليه الوضع في ظروف أخرى.

لكن هذه العملية لا تخلو من مخاطر. فارتفاع أسعار النفط بصورة مفرطة قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي عالمي وربما إلى ركود في عدد من الاقتصادات الصناعية والناشئة. كما أن استمرار الفوائد المرتفعة لفترة طويلة يزيد أعباء خدمة الدَّين العام في الولايات المتحدة نفسها، حيث تجاوز الدين الفدرالي مستويات تأريخية غير مسبوقة.

خلاصة القول إن أي حرب أميركية واسعة ضد إيران لن تكون مجرد مواجهة عسكرية إقليمية، بل ستتحول إلى حدث اقتصادي عالمي يعيد رسم خريطة تدفقات رؤوس الأموال وأسواق الطاقة والمعادن الثمينة. فارتفاع أسعار النفط قد يدفع العديد من الدول إلى بيع جزء من احتياطاتها الذهبية لتأمين احتياجاتها من الطاقة، بينما تجذب الفوائد الأميركية المرتفعة مزيدًا من الاستثمارات نحو سندات الخزينة. ومع ذلك، فإن استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي سيبقي الذهب إحدى أهم أدوات التحوط الاستراتيجية، ما يجعل العلاقة بين الذهب والنفط والدولار أكثر تعقيدًا وتشابكًا من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى