اخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

الخزينة تدخل رسمياً مرحلة الضائقة المالية وتعيد شبح الحصار لذاكرة العراقيين

بعد أشهر من التطمينات الحكومية


المراقب العراقي/ احمد سعدون..


بعد أشهر من التأكيدات الحكومية بأن رواتب الموظفين والمتقاعدين مؤمنة ولا تواجه أي مخاطر، بدأت مؤشرات الأزمة المالية تظهر بشكل واضح مع اعترافات رسمية بوجود صعوبات في توفير رواتب الشهر الحالي، وسط تراجع الإيرادات النفطية واستمرار الضغوط على الموازنة العامة، الأمر الذي أعاد إلى الذاكرة سنوات الحصار التي ألمت بالعراقيين خلال تسعينيات القرن الماضي وسط تحذيرات من هشاشة الاقتصاد العراقي واعتماده شبه الكامل على عائدات النفط.
ودخل ملف رواتب الموظفين مرحلة جديدة من القلق، بعد أن أقرت الحكومة بوجود صعوبات في تأمين رواتب بعض الوزارات، في تطور يعكس حجم الضغوط المالية التي تواجهها الخزينة العامة نتيجة انخفاض الإيرادات النفطية وتراجع الصادرات خلال الأشهر الماضية.
ويرى مختصون في الشأن الاقتصادي، أن العراق دخل فعلياً مرحلة العسرة المالية، مؤكدين، أن الأزمة الحالية ليست وليدة انخفاض أسعار النفط أو تراجع الصادرات فقط، وإنما نتيجة تراكمات طويلة من السياسات المالية غير المستدامة، والاعتماد شبه المطلق على الإيرادات النفطية لتمويل الإنفاق الحكومي.
وأشاروا إلى أن الاعتراف الرسمي بصعوبة توفير الرواتب جاء بعد أشهر من التطمينات الحكومية التي أكدت سلامة الوضع المالي، مبينين، أن تأخر إطلاق رواتب بعض المؤسسات الحكومية يعكس حجم أزمة السيولة التي تعاني منها الدولة.
وأكدوا، أن امتلاك العراق احتياطيات نقدية كبيرة لا يعني بالضرورة توفر السيولة اللازمة لتغطية النفقات الشهرية، لافتين إلى أن طبيعة الإنفاق الحكومي والالتزامات المالية الكبيرة تجعل الخزينة تحت ضغط مستمر، خصوصاً مع انخفاض الإيرادات.
وأوضحوا، أن جانبا كبيرا من الإيرادات العامة يذهب لتغطية التزامات متعددة، في ظل استمرار ملفات الفساد والهدر المالي والوظائف الوهمية والمكاتب الاقتصادية، وهو ما يستنزف موارد الدولة قبل توجيهها إلى الخدمات الأساسية ورواتب الموظفين.
وتكشف الأزمة الحالية عن خلل هيكلي في إدارة الاقتصاد، وأن العراق لا يعاني شُح الموارد بقدر ما يعاني جراء سوء إدارتها، إذ مازالت الإيرادات غير النفطية تمثل نسبة محدودة من دخل الدولة، في وقت بقيت القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة، خارج دائرة التنمية الحقيقية.
وفي الشأن نفسه، أكد الخبير النفطي والمالي كوفند شيرواني في حديث لـ”المراقب العراقي”، أن “العراق يمتلك خيارات عدة للتعامل مع الأزمة المالية الحالية، في مقدمتها اللجوء إلى الاقتراض الداخلي، والاستفادة من احتياطيات البنك المركزي، إلى جانب الإسراع في تفعيل الإيرادات غير النفطية، وتشديد إجراءات مكافحة الفساد، ورفد خزينة الدولة بالأموال المستحصلة من عمليات استرداد الأموال المنهوبة.”
وأشار إلى “وجود بارقة أمل تتمثل في إمكانية زيادة الإيرادات النفطية عبر استئناف التصدير من ميناء جيهان التركي”، مبيناً، أن “هناك خطة لربط أنابيب نفط الجنوب بخط جيهان، وهو ما قد يتيح في حال إنجاز المشروع بالسرعة المطلوبة، تصدير نحو مليون برميل يومياً، بما يعادل قرابة ثلث الصادرات النفطية العراقية”.
ودعا إلى “تنفيذ إصلاحات اقتصادية عاجلة تشمل مكافحة الفساد، وإيقاف الهدر المالي، وضبط ملف الرواتب والتوظيف، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، وتوسيع الإيرادات غير النفطية”، مبيناً، أن “استمرار النهج الحالي سيجعل أي تحسن في أسعار النفط مجرد حل مؤقت لا يمنع تكرار الأزمات المالية.”
وتتحمل الحكومات المتعاقبة مسؤولية الواقع الاقتصادي الحالي بسبب غياب الخطط الاستراتيجية لتنويع مصادر الدخل، والاعتماد المفرط على النفط، وان الاضطرابات في صادرات النفط ستزيد من حدة الأزمة وتضع الاقتصاد العراقي أمام تحديات أكثر تعقيداً خلال المرحلة المقبلة، حسب رأي المختصين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى