الإمام الحسين (عليه السلام) استثناء في عالم الوجود

تتميَّز الرُّؤية العاشورائيَّة بتأكيدٍ واضح على البعد الاستثنائي لشخصيَّة الإمام الحسين (عليه السلام)، وموقعه المحوري في منظومة الوجود الإنساني والرِّسالي. فالقضية الحسينيَّة، وفق هذا التَّصور، لا تُقرأ بوصفها حدثًا تأريخيًّا مماثلًا لبقية الوقائع، ولا تُدرَس باعتبارها تجربة سياسيَّة أو اجتماعيَّة قابلة للمقارنة؛ ولكن تُفهم باعتبارها حالة فريدة تتجاوز المألوف التَّاريخي، حتَّى يُعبَّر عنها بأنَّها “استثناء في عالم الوجود”؛ أي: أنَّها واقعة تتجمع فيها المعاني الإلهيَّة الكبرى في أعلى درجات حضورها في الواقع البشري.
ولا تنبع هذه الاستثنائيَّة من حجم المأساة وحدها، على الرَّغم من أنَّ مأساة كربلاء تمثِّل ذروة الألم الإنساني في التَّاريخ؛ وإنَّما تنبع أساسًا من كونها تمثِّل ذروة الامتحان الإلهي للبشريَّة جمعاء، حيث تتجلَّى فيها معاني الإخلاص المطلق لله (تعالى) في أعلى صورها، ويُختبر فيها الإنسان في موقفه من الحقِّ عندما يتجرَّد الحقُّ من كلِّ أدوات القوَّة الماديَّة. وهنا تتحوَّل كربلاء إلى معيار كاشف لحقيقة الإنسان، لا إلى مجرَّد واقعة تُروى.
لقد اجتمعت في واقعة الطَّف عناصر لا تتكرر في أيِّ حدث آخر من أحداث التَّاريخ؛ إذ تتجلَّى فيها الامتدادات الفكريَّة للرِّسالة المحمديَّة، حيث يُستحضر وجود النَّبي الأعظم محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) من خلال امتداد خطِّه الرِّسالي في الإمام الحسين (عليه السلام)، كما تحضر القيم القرآنيَّة بوصفها مرجعيَّة حاكمة على الموقف، ويتجلَّى مفهوم الإمامة باعتباره امتدادًا عمليًّا للهداية الإلهيَّة في الأرض. وفي الوقت نفسه، تتحوَّل الأرض إلى ساحة اختبار كبرى، تُعرض فيها القيم في مواجهة الانحراف، ويُختبر فيها الإنسان بين نصرة الحقِّ أو الانحياز إلى الباطل.
ومن هذا المنطلق، فأنَّ شخصيَّة الإمام الحسين (عليه السلام) معيار فاصل تُقاس به المواقف، وتُكشف من خلاله البواطن، فلا يعود الموقف من الإمام الحسين (عليه السلام) موقفًا عاطفيًّا أو تأريخيًّا محضًا، ويتحوَّل إلى موقف عقدي يكشف موقع الإنسان من الله (تعالى). فسيِّد الشُّهداء الحسين (عليه السلام) في هذا التَّصور إنَّما هو امتداد مباشر لخطِّ الهداية الإلهيَّة، ومن ثمَّ فإنَّ القرب منه يعني القرب من الله (تعالى)، كما أنَّ الابتعاد عنه يعني ابتعادًا عن جوهر الدِّين، وإن تمسَّك الإنسان بالشِّعارات الدِّينيَّة.
ويجد هذا المعنى جذوره في الرُّؤية القرآنيَّة التي تجعل من موقف الإنسان معيارًا للإيمان أو الانحراف، كما في قول الله (عزَّ وجلَّ): (فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ)، فحين يتمثَّل الحقُّ في أعلى درجات ظهوره في شخصيَّة الإمام الحسين (عليه السلام)، يصبح الموقف منه موقفًا فاصلًا بين الهداية والضَّلال.
ومن هذه الحقيقة يمكن فهم سلوك الأئمَّة الطَّاهرين (عليهم السلام) اتِّجاه القضية الحسينيَّة بوصفه سلوكًا يهدف إلى ترسيخ هذا المعنى الاستثنائي في الوعي الدِّيني للأمَّة؛ إذ امتدَّت إلى التَّأكيد المستمر على الزِّيارة، وإقامة مجالس العزاء، وربط الهوية الدِّينيَّة بواقعة كربلاء. وقد تحوَّلت عاشوراء في هذا السِّياق إلى مركز الهوية الرِّساليَّة، وإلى محور الانتماء الفكري لأهل البيت (عليهم السلام).
إنَّ استثنائيَّة الإمام الحسين (عليه السلام) في هذا التَّصور تعني أنَّ وجوده (عليه السلام) يمثِّل نقطة ارتكاز في فهم الدِّين ذاته، وأنَّ واقعة كربلاء معيار مستمر لتمييز الحقِّ من الباطل، والهداية من الانحراف، والوعي من الغفلة، بما يجعلها حاضرة في تشكيل الوعي الإنساني عبر العصور.
وقد ورد في الحديث الشَّريف عن النَّبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): “والذي بَعَثَني بالحقِّ نبيّاً، إنَّ الحسينَ بنَ عليٍّ في السَّماءِ أكبرُ منه في الأرضِ، وإنَّه لمكتوبٌ عن يَمينِ عرشِ اللَّه (عزَّ وجلَّ): مصباحُ هدًى وسفينةُ نَجاة” وهي عبارة تحمل دلالة معرفيَّة عميقة؛ وتشير إلى أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) يمثِّل مصدر إضاءة للوعي الإنساني في مواجهة ظلمات الانحراف، كما يمثِّل طريقًا للنَّجاة من الانزلاق في الضَّلال الفكري والسُّلوكي. فالمصباح إشارة إلى وظيفة معرفيَّة تتمثَّل في كشف الطَّريق وتمييز الاتِّجاه الصَّحيح في لحظات الالتباس التَّأريخي والفكري.



