صلاح القصب المخرج الذي حوّل المسرح الى ساحة لقلق العقل وامتحان الوعي

المراقب العراقي/ شوقي كريم حسن..
حين يمرض الكبار، لا يمرض جسد واحد، بل ترتجف ذاكرة وطن بأكمله، اليوم يمرّ الدكتور صلاح القصب بنكسة صحية قاسية أفقدته القدرة على النطق، بينما يقف المسرح العراقي أمام امتحان الوفاء، الرجل الذي علّم أجيالًا كاملة كيف تُنطق الفكرة على الخشبة، يصارع الآن صمتًا لم يختره.
صلاح القصب ليس اسمًا عابرًا في سجل المسرح، بل مدرسة كاملة، مخرجٌ وأكاديمي حمل مشروعًا فنيًا مختلفًا، وذهب بالمسرح العراقي إلى مناطق لم يجرؤ كثيرون على الاقتراب منها. أسس لرؤية بصرية وفكرية جعلت من العرض المسرحي، نصًا يُقرأ بالعين قبل الأذن، حتى استحق أن يُلقب برائد “مسرح الصورة” في العراق والعالم العربي، كم من طالب تخرّج على يديه؟ كم من ممثل اكتشف نفسه تحت إدارته؟ كم من عرضٍ أثار الجدل لأنه سبق زمنه، ورفض أن يكون المسرح مجرد وسيلة للتسلية؟.
لم يكن القصب يصنع عروضًا سهلة، بل يصنع أسئلة. يؤمن أن المسرح ليس مكانًا للراحة، بل ساحة لقلق العقل وامتحان الوعي. ولهذا بقيت أعماله حاضرة في الذاكرة، لأنها كانت تهزّ اليقين وتوقظ المخيلة. اليوم، لا يحتاج صلاح القصب إلى التصفيق بعد انتهاء العرض، بل يحتاج إلى وقفة إنسانية تليق بتأريخه. يحتاج إلى أن يشعر بأن العراق لم ينسَ أبناءه الذين رفعوا اسمه في المحافل الأكاديمية والفنية. أيها الفنانون، أيها المثقفون، طلبته، أيها المسؤولون…لا تجعلوا الرجل الذي منح المسرح العراقي صوته، يواجه محنته بصمت.
صلاح القصب ليس فردًا… إنه جزء من ذاكرة العراق الثقافية، وحين نهمل رموزنا وهم على قيد الحياة، فإننا نكتب شهادة فشلنا قبل أن نكتب رثاءهم. لا تتركوا صلاح القصب وحيدًا. فالأوطان التي تحفظ مبدعيها، تحفظ مستقبلها أيضًا. دعونا نسأل بصوت مرتفع…أين وزارة الثقافة؟ أين الجامعات التي كان أستاذًا فيها؟ أين النقابات والاتحادات والمؤسسات التي ازدحمت بصوره في المؤتمرات والاحتفالات؟ وأين أولئك الذين كانوا يتسابقون للجلوس في الصفوف الأولى عندما كان يعتلي المنصة؟.
إن قيمة الأمم لا تُقاس بعدد المباني التي تشيدها، بل بطريقة تعاملها مع عقولها حين يخذلها الجسد.
صلاح القصب لم يكن موظفًا يؤدي واجبًا وينصرف آخر النهار، بل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا. كان يقرأ المسرح كما يقرأ الفيلسوف الوجود، ويحوّل الخشبة إلى مختبر للأسئلة الكبرى، حتى أصبحت عروضه مادة للدراسة والبحث والنقد، لا مجرد أمسيات تنتهي بإسدال الستار. كم من مرة تعرّض للهجوم لأنه كان مختلفًا؟ كم من مرة أُسيء فهمه لأنه سبق عصره؟ لكن الزمن أنصفه، وبقيت تجربته علامة فارقة في تأريخ المسرح العراقي والعربي، بينما تلاشت أسماء كثيرة كانت تظن أن الضجيج يصنع الخلود.
واليوم… ليس المطلوب كلمات رثاء مبكرة، ولا منشورات عابرة تُكتب ثم تُنسى بعد ساعات.
المطلوب أن تتحرك المؤسسات الثقافية والصحية لتوفير أفضل رعاية ممكنة، وأن يشعر هذا الرجل بأن العراق الذي أفنى عمره في خدمته لم يغلق أبوابه في وجهه ساعة المحنة.
لا تجعلوا الفنان يشعر بأن قيمته تنتهي حين يمرض. ولا تجعلوا المبدع يكتشف أن التصفيق كان للمشهد، لا لصاحب الرسالة.
صلاح القصب ليس حالة فردية، هو اختبار لأخلاقنا الثقافية، فإما أن نحفظ جميل من صنعوا وعينا، أو نعترف بأننا نجيد الاحتفاء بالأسماء بعد رحيلها فقط.
سلامًا لك يا صلاح القصب…يا من منحت المسرح العراقي صورةً لا تشبه إلا نفسها، ومنحت أجيالًا كاملة شجاعة الحلم والاختلاف.
ونسأل الله أن يمنّ عليك بالشفاء والعافية، وأن تعود ابتسامتك وصوتك، فالعراق مازال يحتاج إلى حكمتك، ومازالت خشبته تحفظ خطواتك.



