اراء

الغرب وكلفةُ دعم إسرائيل

محمد أحمد بنّيس..
يوما بعد يوم، تزداد كلفة الدعم الغربي (الرسمي) لدولة الاحتلال، مع انتقال الأخيرة إلى طوْر غير مسبوق من التوحش والغطرسة، ليس فقط في مواجهة الفلسطينيين، بل أيضا في مواجهة مؤيدي الحق الفلسطيني، ممن يحملون جنسياتٍ غربية مختلفة.
رفعت مشاهدُ الاعتداء الموثقة على الناشطين، الذين كانوا على متن أسطول الصمود العالمي المتوجّه إلى قطاع غزّة، والتنكيل بهم، هذه الكلفة أكثر، وأحرجت الحكومات الغربية التي طالما قدّمت الدروس والمواعظ في وجوب احترام النضال المدني السلمي، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بناشطين مدنيين كانوا يحاولون الوصول إلى قطاع غزّة لكسر الحصار الجائر المفروض عليه، وإيصال مساعداتٍ إنسانيةٍ إلى سكانه بعد حرب إبادة جماعية استمرّت أكثر من سنتين. ولعل ما أحرج هذه الحكومات أكثر أن وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، نشر مشاهدَ وثّقت اعتداءً تعرّض له ناشطو الأسطول في ميناء أسدود، في ضرب سافر لكل القيم والأعراف والقوانين التي تضمن الحد الأدنى من المعاملة الحسنة للمشاركين في هذا النوع من المبادرات المدنية والسلمية.

لم تكن مشاهد التنكيل بالناشطين أمام الوزير الإسرائيلي لتمر من دون أن تثير ردات فعل، حتى في البلدان التي تعتبر قلاعاً تقليدية لدعم دولة الاحتلال. كان في وسع سلطات الكيان الغاصب أن تكتفي باعتقال الناشطين، وتضمن سلامتهم ثم ترحّلهم إلى بلدانهم. لكنها أصرّت على الاعتداء عليهم والإمعان في إذلالهم في رسالة عنصرية، تكفّل بن غفير بإيصالها بكل صلف قائلا: ” نحن أصحاب هذه الأرض”، في إنكارٍ، لا يخلو من دلالة، للحق الفلسطيني المسلوب.

لافت أيضاً أن سلطات دولة الاحتلال تعمّدت توثيق إذلالها الناشطين، المنتمين لبلدان غربية، في ما بدا إحراجاً مقصوداً لحكوماتهم، التي يُفترض أنهم يتمتعون بحمايتها. وثمّة مغزى في عدم تحرك معظم هذه الحكومات لحماية مواطنيها والذود عن حقوقهم في التعبير والتظاهر السلمي والانتصار لقضية شعب مظلوم، مفاده بأن كل الحقوق الفردية والجماعية المنصوص عليها في دساتيرها قد تسقط إذا ما تعارضت مع المصالح الإسرائيلية. وقد كان دالّا للغاية ما قالته إيريني مونْتيرو، النائبة الإسبانية في البرلمان الأوروبي، حين انتقدت بشدة ازدواجية المعايير داخل الاتحاد الأوروبي، متسائلة: “ماذا لو اختطفت إيران أو روسيا مواطنين غربيين في عرض البحر؟”؛ تساؤل كان كافيا لإسقاط ما تبقى من أوراق التوت عن الحكومات الغربية الداعمة دولة الاحتلال.

تواجه حكومات غربية مأزقا في إدارة التوازن بين انتقادها العلني الممارسات الإسرائيلية، ومواصلتها تقديم الدعم العسكري واللوجيستي والاقتصادي لدولة الاحتلال. وهو ما يعطي الأخيرة تغطية سياسية ودبلوماسية كافية للتعامل بكل صلف وغطرسة مع محاولات فك الحصار عن قطاع غزّة.

ترفع الشراكةُ السياسية والعسكرية بين إسرائيل وحكومات غربية الكلفة السياسية والأخلاقية لاستمرار هذه المعادلة، لا سيما مع اتساع الفجوة بينها وبين قواعدها الاجتماعية والناخبة، بما يعيد سؤال الجدوى من الديمقراطية والأحزاب والبرلمان والمجتمع المدني والرأي العام، ويفتح المجال أمام تشكل طروح راديكالية وشعبوية، قد لا تتحملها البنيات السياسية والاجتماعية الغربية، أمام تراجع الوزن السياسي للطبقة الوسطى نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

أحدثت حرب الإبادة في غزّة ارتجاجا في الوعي العالمي. ولا تبدو القاعدة الاجتماعية والناخبة للحكومات الغربية بمنأى عن هذا، حيث تتنامى حدّة رفضها تمويل حكوماتها جرائم الإبادة والحرب والتهجير التي ارتكبتها دولة الاحتلال، ولا تزال، في غزّة ولبنان واليمن وسورية وغيرها. ولذلك، يرفع استمرار الدعم الغربي لها، وبالأخص بعد واقعة الاعتداء على ناشطي “أسطول الصمود”، الكلفة على الحكومات الغربية أكثر، ويحوّل هذا الدعم إلى نزيف أخلاقي وسياسي في المنظومة المجتمعية الغربية، بما ينذر بتآكل ما تبقى من مصداقيتها القانونية والحقوقية، خصوصاً أمام استمرار تجاهل التداعيات التراجيدية للحرب على غزّة وسياسات الحصار والتجويع والتهجير واستهداف قوافل المساعدات الإنسانية التي، بالتأكيد، لن يكون أسطول الصمود العالمي آخرَها

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى