حين يقترب الأسطول الأمريكي من الشاطئ الإيراني.. الردع المزعوم وحافة الهاوية مع طهران

زياد فرحان المجالي..
لم يعد التصعيد الأمريكي مع إيران مجرد تبادل محدود للضربات أو استعراض تقليدي للقوة في مياه الخليج وبحر العرب، بل دخل مرحلة أكثر خطورة، تقوم على الاقتراب المحسوب من حافة المواجهة الشاملة. فبعد انهيار التفاهمات المؤقتة وعودة الهجمات على السفن والمنشآت العسكرية، أعلنت واشنطن تنفيذ موجة واسعة من الضربات ضد أهداف إيرانية مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة والرادارات، فيما ردت طهران بهجمات استهدفت مواقع ومصالح أمريكية وإقليمية، وأعلنت تشديد قبضتها على مضيق هرمز.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز التقارير التي تتحدث عن تحرك حاملات طائرات أميركية، وفي مقدمتها «يو أس أس أبراهام لينكولن» و*«يو أس أس جورج بوش» *، إلى مواقع متقدمة في بحر العرب وخليج عُمان. أما التقديرات المتداولة عن اقترابهما إلى مسافة تتراوح بين 220 و250 كيلومترًا من سواحل تشابهار، فينبغي التعامل معها باعتبارها معلومات مفتوحة المصدر تحتاج إلى تثبيت مستقل، لا حقيقة عملياتية نهائية.
لكن الدلالة الاستراتيجية لا تتوقف على دقة المسافة وحدها. فمجرد انتقال حاملات الطائرات ومجموعاتها القتالية إلى مواقع أقرب من الساحل الإيراني يعني أن واشنطن تعيد تعريف مفهوم الردع. ففي العقيدة البحرية التقليدية، تمثل المسافة عنصر حماية أساسيًا للحاملات، ولا سيما أمام خصم يمتلك صواريخ ساحلية، وطائرات مسيّرة، وزوارق سريعة، وألغامًا بحرية، وقدرات مصممة لمنع الوصول وعرقلة الحركة العسكرية.
أما الاقتراب من المجال الذي يمكن أن تصل إليه بعض هذه المنظومات، فهو رسالة تقول إن الولايات المتحدة لا تريد الاكتفاء بحماية قواتها من بعيد، بل ترغب في إظهار قدرتها على العمل داخل البيئة التي تعتبرها إيران نطاق ردعها البحري.
عملياتيًا، يمنح التموضع المتقدم الطائرات الأميركية قدرة أكبر على الوصول السريع إلى أهداف داخل إيران، ويقلل الوقت اللازم لتنفيذ الطلعات وإعادة التزود بالوقود. كما يزيد الضغط على شبكات الدفاع الجوي ومنصات إطلاق الصواريخ ومخازن الطائرات المسيّرة، ويتيح تنفيذ ضربات متتابعة تهدف إلى منع طهران من إعادة بناء قدراتها العسكرية أو ترميم منشآتها الحساسة.
غير أن هذه الأفضلية ليست مجانية. فكلما اقتربت القطع البحرية الأميركية من الساحل، ارتفعت احتمالات تعرضها لهجمات مركبة تستخدم الصواريخ والمسيّرات والزوارق في وقت واحد. وحتى لو امتلكت الولايات المتحدة أنظمة دفاع متطورة، فإن كثافة النيران قد تتحول إلى اختبار حقيقي لقدرة الأسطول على اعتراض موجات متعددة ومتزامنة.
ويكتسب الحشد البحري أهميته أيضًا من ارتباطه بمعركة مضيق هرمز. فقد تحولت السيطرة على الملاحة في المضيق إلى جوهر المواجهة، بعدما استخدمت إيران موقعها الجغرافي وسيلة ضغط على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي. وتشير التغطيات الدولية إلى أن التصعيد الأخير جاء بعد هجمات على سفن تجارية وخلافات حادة حول قواعد المرور، في وقت تؤكد فيه واشنطن استمرار حركة بعض السفن رغم إعلان طهران إغلاق المضيق.
الرسالة الأميركية، إذن، مزدوجة. الأولى موجهة إلى إيران، ومُفادها أن الترسانة الصاروخية والتهديد بإغلاق هرمز لن يمنعا واشنطن من الاقتراب أو توسيع عملياتها. والثانية موجهة إلى العالم، وتقول إن الإدارة الأميركية ترى أن هامش الدبلوماسية يضيق، وأن حماية الملاحة ومنع إيران من استعادة قدراتها قد يتطلبان استخدامًا أوسع للقوة.
لكن سياسة حافة الهاوية تحمل تناقضها في داخلها؛ فالاقتراب الشديد قد يردع الخصم، لكنه قد يدفعه أيضًا إلى الاعتقاد بأن الهجوم بات وشيكًا، فيقرر المبادرة قبل فوات الأوان. وعندها قد يكون صاروخ ضال، أو مسيّرة أخطأت هدفها، أو تقدير استخباري متسرع، كافيًا لنقل المنطقة من الردع الأقصى إلى الحرب القصوى.
إن ما يجري ليس مجرد تحريك حاملات طائرات على خريطة بحرية، بل محاولة أميركية لإعادة صياغة ميزان القوة بالإكراه العسكري. غير أن التأريخ يثبت أن الاقتراب من الحافة لا يمنح صاحبه دائمًا القدرة على التحكم بالسقوط؛ فقد تبدأ الحرب بقرار محسوب، لكنها نادرًا ما تستمر وفق الحسابات التي أشعلتها.



