اراء

هاجس العالم بعد الحرب على إيران.. تخفيض استهلاك النفط

بقلم: يحيى الصادق..

ليس هناك من هاجس يشغل اهتمام حكومات العالم حالياً سوى أمرين: الأول هو التوصّل إلى اتفاق دائم بين الولايات المتحدة وإيران يسمح للسفن مجدّداً بالعبور الآمن عبر مضيق هرمز، وذلك بغية إنقاذ الاقتصاد العالمي من أزمة لن تكون بسيطة، سواء استمر الوضع على ما هو عليه من هجمات مضبوطة بين الجانبين، أو انزلقت الأوضاع إلى مواجهة شاملة جديدة قد تمتدّ أيضاً إلى مضيق باب المندب. وبهذا، فإنّ أسعار النفط سوف تشتعل من جديد، وبصورة أكثر حدّةً من السابق.

أما الأمر الثاني، وهو موضوع مقالتنا هذه، فهو العمل، ما أمكن، على تخفيض استهلاك النفط ومشتقاته للتأقلم مع الظروف المستجدّة أو التي قد تحدث مستقبلاً.

تخفيضاً ليس آنياً تفرضه ظروف الحرب في منطقة الشرق الأوسط، وإنما على المدى البعيد. وهذه ليست المرة الأولى التي تعمل فيها دول العالم على زيادة استثماراتها في “بدائل” محتملة لمصادر الطاقة الأحفورية؛ فخلال السنوات السابقة لعام 2021 اتجهت دول عديدة نحو تخفيض استثماراتها في مصادر الطاقة الأحفورية، وإغلاق مفاعلاتها النووية، وتقليل استخدامها للفحم الحجري، والاتجاه نحو زيادة استثماراتها في الطاقات المتجدّدة (الشمسية، والرياح…).

فكانت النتيجة أن اشتعلت أزمة محروقات اجتاحت عدة دول أوروبية، وحدثت انقطاعات كهربائية طويلة، الأمر الذي جعل هذه الدول تعدّل سياساتها لتعاود من جديد زيادة استثماراتها في الطاقات الأحفورية، والتعامل مع الطاقات المتجدّدة بوصفها مصادر مكمّلة لا بديلة.

النقل ثمّ البتروكيماويات

ينحصر استهلاك المشتقات النفطية عالمياً في أربعة قطاعات رئيسة تقريباً، يتصدّرها قطاع النقل بأشكاله الثلاثة: البري، والبحري، والجوي. وبحسب توقّعات منظّمة “أوبك” لعامي 2025 و2026، فإن “من المتوقّع أن يكون النمو في الطلب على النفط حتى عام 2050 مدفوعاً بالنقل البري والطيران والبتروكيماويات، مع زيادات بنسبة 5.7 ملايين برميل يومياً، و4.2 ملايين برميل يومياً، و4.6 ملايين برميل يومياً على التوالي.

ومن المتوقّع أيضاً زيادة طفيفة في الطلب في قطاعات أخرى، مثل “النقل الآخر”، و”الصناعات الأخرى”، والقطاعات السكنية والتجارية والزراعية“.

وتضيف تلك التوقّعات أنّ “نمو الطلب في النقل البري يأتي نتيجة توسّع كبير في أسطول المركبات العالمي، خاصة في الدول النامية، حيث من المتوقّع أن يرتفع أسطول المركبات العالمي من 1.75 مليار مركبة في عام 2025 إلى نحو ثلاثة مليارات في عام 2050، مع توقّع أن يكون أسرع نمو في قطاع السيارات الكهربائية (EVs).

ومع ذلك، من المتوقّع أن تستمر المركبات المعتمدة على محرّكات الاحتراق الداخلي (ICE) في الهيمنة على الأسطول العالمي، إذ من المتوقّع أن تمثّل نحو 73% من إجمالي الأسطول في عام 2050.

القطاع الثاني هو قطاع البتروكيماويات، الذي يُعدّ المحرّك الأساس للنمو المستقبلي، ولذلك فإنّ حصته من استهلاك المشتقّات النفطية آخذة في التزايد. وتظهر توقّعات وكالة الطاقة الدولية لعام 2025 أنّ “صناعة البتروكيماويات قد تصبح المصدر الرئيس لنمو الطلب العالمي على النفط اعتباراً من عام 2026.

ويرتبط ازدياد استهلاك البتروكيماويات ارتباطاً وثيقاً بتزايد إمدادات سوائل الغاز الطبيعي. وتقود الصين والولايات المتحدة بناء القدرات البتروكيماوية على حساب أوروبا واقتصادات أخرى في آسيا.

ليست بدائل!

في ضوء ما سبق، فإنّ الخيارات الممكنة لتخفيض فاتورة استهلاك المشتقات النفطية ثلاثة تقريباً:

زيادة الاعتماد على السيارات الكهربائية لتقليل استهلاك قطاع النقل البري لمادتَي المازوت والبنزين. وبحسب تقارير سابقة، فإنّ مبيعات سوق السيارات الكهربائية كان يمكن أن تتجاوز 20 مليون سيارة أي ما يمثّل نحو ربع جميع السيارات المباعة، وفقاً لتقرير التوقّعات العالمية للمركبات الكهربائية لعام 2025 الصادر عن وكالة الطاقة الدولية.

وتذهب التحليلات إلى أنّ السيارات الكهربائية من المتوقّع أن تحلّ محلّ الطلب العالمي على النفط بمقدار 5.4 ملايين برميل يومياً بحلول نهاية العقد. وسيكون الاستبدال بعيداً عن النفط أيضاً ذا دور بارز في توليد الطاقة خلال فترة التوقّعات، خاصة في السعودية، حيث يؤدّي إحلال الغاز الطبيعي والطاقة المتجدّدة محل النفط المحترق إلى أكبر انخفاض في الطلب على النفط لأيّ دولة حتى عام 2030.

لا غنى عن الأحفوري

ثمّة حقيقتان مهمّتان لا يمكن تجاوزهما عند الحديث عن محاولات تخفيف استهلاك النفط ومشتقاته. الحقيقة الأولى أنّ مصادر الطاقة الأحفورية سوف تظلّ حاضرة بقوة في سوق الطاقة العالمية لسنوات طويلة؛ إذ لا يمكن للعالم أجمع أن يستغني عن إمدادات الغاز لتوليد الطاقة الكهربائية، فما يمكن أن تنتجه الطاقات النظيفة أو المتجدّدة، على أهميته، لا يستطيع أن يسدّ كامل حاجة الدول، ويجعلها بالتالي تغلق محطات التوليد التقليدية.

ولذلك، فبدلاً من التفكير في تخفيض الاستهلاك، ربما يكون الخيار الأفضل تطوير تقنيات استخراج النفط وتكريره بما يقلّل من أضراره البيئية، والعمل على إزالة الأسباب المؤدّية إلى التوترات السياسية والعسكرية التي تعرقل سلاسل الإمداد.

وعليه، فإنّ السنوات المقبلة لن ترسم ملامح ذلك العالم الذي تريده بعض الدول. ويكفي هنا القول إنّ مصانع إنتاج السيارات الكهربائية ستظلّ تعتمد في عملها على جزء ليس بالقليل من مصادر الطاقة الأحفورية!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى