من احتواء إيران إلى دمج إسرائيل.. ماذا تكشف دعوة ترامب إلى أبراهام الموسّعة؟

بقلم: د. هاني الروسان
لا يمكن قراءة الربط الذي أعلنه دونالد ترامب بين مسار المفاوضات مع إيران وتوقيع اتفاق معها، وبين توسيع اتفاقيات أبراهام، بوصفه مجرد محاولة لتوسيع دائرة التطبيع. وفي الوقت نفسه، لا يبدو هذا الربط تعبيرًا عن مشروع أمريكي مكتمل لإعادة هندسة الشرق الأوسط وفق تصور نهائي وواضح المعالم. بل الأرجح أن ما يظهر هو أن واشنطن تتحرك في إطار محاولة معقدة لإدارة تناقضات إقليمية متداخلة، تُجبرها على الجمع بين مسارات يصعب التوفيق بينها بصورة مستقرة، إذ من ناحية تسعى إلى احتواء إيران عبر التفاوض، ومن جهة ثانية تعمل على تثبيت إسرائيل كركيزة أساسية في البنية الإقليمية، في لحظة تتآكل فيها شروط الاستقرار الإقليمي نفسها بفعل الحرب المفتوحة في فلسطين ولبنان واتساع مساحات الاشتباك في المنطقة عمومًا.
فواشنطن لا تسعى فقط إلى ضبط البرنامج النووي الإيراني أو تعديل السلوك الإقليمي لطهران، بل إلى منع أي تسوية محتملة معها من التحول إلى مدخل لإعادة توزيع النفوذ في الشرق الأوسط بصورة تُضعف المركزية الأمريكية-الإسرائيلية داخل النظام الإقليمي المقبل. إذ إن الخطر، من وجهة النظر الأمريكية، لا يكمن فقط في قدرات إيران العسكرية أو النووية، بل في احتمال أن تخرج من أي اتفاق بوصفها قوة إقليمية جرى الاعتراف الضمني بدورها ومجال تأثيرها.
ومن هنا تحديدًا يمكن فهم إعادة طرح اتفاقيات أبراهام بصيغة أوسع من مجرد التطبيع التقليدي. فالمطلوب لم يعد إضافة دولة جديدة إلى شبكة العلاقات مع إسرائيل، بقدر ما أصبح يتعلق بمحاولة تثبيت بنية إقليمية جديدة تُعاد داخلها صياغة التوازنات الأمنية والسياسية والاقتصادية في المنطقة قبل الوصول إلى أي تهدئة كبرى مع إيران. أي أن التطبيع هنا لا يتحرك كهدف مستقل، بل كجزء من عملية استباقية تهدف إلى إغلاق المجال الجيوسياسي أمام أي دور إيراني محتمل في تشكيل الشرق الأوسط المقبل.
وضمن هذا السياق، يصبح إدراج دول مثل مصر والأردن وتركيا والسعودية وقطر أقل ارتباطًا بفكرة التطبيع بحد ذاتها، وأكثر ارتباطًا بمحاولة خلق إطار إقليمي واسع تتحول فيه إسرائيل إلى مركز توازن استراتيجي، بينما يجري احتواء إيران خارج البنية الجديدة أو على هامشها. فمصر والأردن تمتلكان أصلًا اتفاقيات سلام مستقرة مع إسرائيل، وتركيا تحتفظ، رغم التوترات، بإطار اعتراف وعلاقات لم ينقطع بالكامل، ما يعني أن إدراج هذه الدول لا يتعلق بإعادة إنتاج الاعتراف بإسرائيل، بل بإعادة تعريف وظائفها داخل شبكة إقليمية يجري العمل على إعادة تركيبها.
لكن التناقض الأعمق في هذا المسار يتمثل في أن مشروع دمج إسرائيل إقليميًا يأتي في لحظة تتآكل فيها قدرة إسرائيل نفسها على تقديم ذاتها كعنصر استقرار. فالحرب على غزة لم تؤد فقط إلى إعادة وضع القضية الفلسطينية في مركز الاهتمام العالمي، بل كشفت أيضًا حدود التصور الذي حاول تقديم إسرائيل بوصفها شريكًا طبيعيًا في بنية شرق أوسطية جديدة تتجاوز الصراع التاريخي. إذ إن مشاهد الحرب والدمار الواسع أعادت إنتاج إسرائيل، في الوعي العربي والإقليمي والدولي، كقوة احتلال أكثر منها مركزًا للاستقرار الإقليمي.
وهنا لا يعود التطبيع مجرد نتيجة لمسار سياسي، بل يصبح جزءًا من عملية إعادة تعريف الصراع ذاته. فالمطلوب، وفق هذا التصور، ليس إنهاء التناقض التاريخي الذي أنتج القضية الفلسطينية، بل احتواؤه داخل صيغة إقليمية جديدة تسمح بدمج إسرائيل بصورة أوسع، مقابل تحويل الحقوق الفلسطينية إلى ملف تفاوضي قابل للتجزئة والإدارة الطويلة.
لكن المعضلة الأساسية التي تواجه هذا المسار أن الحرب على غزة، والاستيطان والحصار في الضفة، لم تخلق بيئة ملائمة لتجاوز القضية الفلسطينية، بل أعادت إنتاجها بوصفها التناقض المركزي الذي ما يزال يعطل أي محاولة لبناء شرق أوسط مستقر حول إسرائيل. ولذلك يبدو المشهد الحالي أقرب إلى محاولة لإدارة التناقضات لا لحلها: واشنطن تريد احتواء إيران دون الاعتراف الكامل بدورها، وتريد دمج إسرائيل رغم الحرب المفتوحة، فيما تسعى الأنظمة العربية إلى التوفيق بين ضرورات التموضع الإقليمي وحدود القبول الداخلي، بينما تعود القضية الفلسطينية، مرة أخرى، لتفرض نفسها باعتبارها العقدة التي لم تنجح كل مشاريع “إعادة هندسة الشرق الأوسط” في تجاوزها أو إلغائها.



