الاستراتيجية العسكرية بين الإبادة الجماعية والطائرة الانقضاضية
بقلم: محمد جرادات
تشابكت خيوط الميدان بين الاستراتيجية والأداة، حتى تكاملت ملامح المدرسة العسكرية بفعل الأداة وهي في حقيقتها المباشرة مجرد أداة تكتيكية ميدانية، ولكن لأنها تتمركز أحياناً في قلب الميدان فتكون بمنزلة عقل الإدارة والسيطرة، ويكون لفعلها الميداني دور الدينامو المنشط لكل أطراف الحرب، عندها تصبح الاستراتيجية العسكرية مرتبطة بها، فما هي الأدوات العسكرية التقنية التي برزت في هذه الحروب حتى غلبت على أصل الاستراتيجية؟
أنتجت الحروب الراهنة المتفجرة منذ السابع من أكتوبر 2023، عدة استراتيجيات عسكرية تطورت تباعاً لتحمل ملامح مدرسة عسكرية، فما بين مدرسة الخداع الاستراتيجي التي اعتمد عليها صاعق تفجير هذه الحروب صبيحة اليوم الأول فيها، والرد الإسرائيلي بالإبادة الجماعية بموازاة الاغتيالات العائلية، أفرزت تطورات الحرب استراتيجيات عسكرية نشهدها في هذه المحطة التاريخية، وأبرزها الخنق الاقتصادي في مضيق هرمز، وطائرات الألياف الضوئية في جنوب لبنان.
سبق للمقاومة في لبنان أن نجحت عام 2000 في دفع “الجيش” الإسرائيلي للانسحاب من كل الأرض اللبنانية، فكان عيد التحرير الذي نشهد ذكراه حالياً، ولا ينتبه كثيرون أن هذا التحرير ما كان ليتم إنجازه لولا تفاهم نيسان 1996، وهو التفاهم الذي أجبر “إسرائيل” على توقيع اتفاقية تجنيب المدنيين من الطرفين ويلات الحرب، ما خلق قواعد اشتباك أبدعت فيها المقاومة في تحويل ثكنات جيش الاحتلال ونقاط انتشاره لأهداف طوال الوقت، فانتصرت استراتيجية العبوة الناسفة على بطش الميركافا الإسرائيلية.
تجنيب المدنيين ويلات الحرب ثم الاحتكام لميدان قتال لا يعد فيه لقوة النار الحربية دورها الحاسم؛ هو عين قواعد الاشتباك التي لا يحتملها الجيش الإسرائيلي، وهو ما أدخلته فيه استراتيجية الخنق الاقتصادي الإيرانية في مضيق هرمز، عبر وحدة الساحات في كل الجبهات، فالفشل الأميركي الإسرائيلي في العدوان على إيران حتى الآن، والركون الإسرائيلي للهدنة الهشة في جنوب لبنان، حوّل أدوات الحرب الجديدة الناجحة لاستراتيجيات عسكرية غدت مدارس يتطلب تدريسها في الأكاديميات العسكرية على مستوى مناهج التعليم المتخصصة في العالم، عالم ما بعد الإبادة في غزة والصمود في لبنان وإيران.
نجح الخداع الاستراتيجي صبيحة السابع من أكتوبر، في تهشيم النسيج العصبي للكيان الإسرائيلي ومعه الغرب الأميركي الأوروبي، فكان رد الكيان الإسرائيلي ومن خلفه الغرب ومنظومة التطبيع العربية الإسلامية، في تدفيع غزة ثمناً بالغ الكلفة لهذا الخداع الذي نهض فيه المستضعف ليوجه صفعة إلى العالم المستكبر لعله يستفيق على حصار غزة ومظلومية فلسطين التاريخية، ثمن باهظ أباد شعب غزة بشرياً وعمرانياً، وأجبر المقاومة على قبول هدنة ظالمة ما زال ينزف فيها الفلسطيني وحده من دون قاتله، وهو الحال الذي مر فيه حزب الله طوال 15 شهراً، عقب هدنة أواخر 2024 بعد تفجيرات البيجر واغتيال سماحة السيد حسن نصر الله، ومعركة البأس الشديد التي نزفت فيها حواضن المقاومة بالآلاف عبر استراتيجية استهداف المدنيين.
العلاقة بين استراتيجية القتال ومنظومة القيم
تلخص استراتيجية الإبادة الإسرائيلية الملامح الكاملة للمدرسة الغربية التي نشأت خلال الحرب العالمية الثانية، فيما تكثف استراتيجية الطائرة الانقضاضية كامل مشهدية مدرسة المقاومة في تطورها وتنوعها تحت عين وضغط وبطش قوة النار الإسرائيلية، فالنجاح الإسرائيلي في الاغتيالات الأمنية خاصة في الحروب الراهنة، لا يخرج عن نظرية الإبادة الجماعية، وليس أدل على ذلك من ربط الإبادة في غزة ابتداء باستهداف عوائل نشطاء المقاومة وأقاربهم.
ظلت عمليات الاغتيال النوعية الإسرائيلية تطال عوائل المستهدفين عبر تدمير البيوت والشقق السكنية ونسف العمارات الآهلة بالسكان، لذا تجاوز عدد شهداء لبنان من المدنيين وبعض المقاومين في المواجهة الراهنة منذ بداية نيسان الماضي الـ3100 شهيد، فيما لم يسقط من الإسرائيليين غير الجنود والضباط سواء قتلى أم جرحى إلا عدد قليل وفي عمليات نادرة، مع ملاحظة أن غالبية الإسرائيليين يخدمون مع الجيش في مهمات مختلفة، إضافة إلى خدمة الاحتياط لغالبية الإسرائيليين.
تتداخل استراتيجيات القتال الإسرائيلية في الحروب الراهنة، على اختلاف أشكالها لتتمحور حول الإبادة كأداة فعالة في إخضاع الخصم، ويدل على ذلك الجدل الراهن في الكيان الإسرائيلي بعد فشل التصدي للطائرات الانقضاضية، حتى بدأ الإعلام الإسرائيلي على اختلاف توجهاته يتحدث عن قدرة هذا النوع من المسيّرات في الإصابة الدقيقة، مثل قدرة الوصول لرئيس بلدية حيفا في مكتبه، أو استهداف قائد وحدة الغواصات عبر نافذة غرفته في قاعدة حيفا البحرية.
لذا تنصب الدعوات الإسرائيلية ضمن هذا التحريض وهي تطالب بقصف مباني بيروت رداً على هذه المسيرات الدقيقة، ولم تقتصر هذه الدعوات على سموتريتش وبن غفير وغيرهما من المتطرفين، بل طالت ضباطاً كباراً في القيادة الشمالية حتى تولى كبيرها رئيس هيئة الأركان إيال زامير شخصياً، وهي دعوات اعتبرت أن نتنياهو يكبح جماح قصف مباني بيروت بسبب خضوعه لأوامر ترامب، والذي يرضخ للضغط الإيراني بمواصلة الهدنة مشمولة بكل الجبهات بما فيها لبنان.
ولا يخفى أن خطط “الجيش” الإسرائيلي في مواجهة نجاحات حزب الله الراهنة، تتمحور حول استئناف استراتيجية الإبادة بحق حواضن المقاومة، والتي ظهرت قبل دخول الهدنة بأيام قليلة عندما ارتقى مئات الشهداء في يوم واحد عبر تدمير مبانٍ سكنية آهلة بالمدنيين، خاصة في ظل ترنح الهدنة بين إيران وأميركا، وإن كثر الحديث عن قرب التوصل لمذكرة تفاهم بين الطرفين، وهي المذكرة التي يخشاها نتنياهو والتي يمكن أن تدفعه ليسارع مستبقاً وقوعها عبر استئناف عمليات الإبادة والقتل الجماعي على نطاق واسع.
ترتبط منظومة القيم الإسرائيلية الأميركية بطبيعة استراتيجيات الحرب المتبعة، وهي قيم تنبع من الفكر المادي بعيداً عن المبادئ الإنسانية ولا حتى القانونية الدولية، لذا يستعر القتل الوحشي بشتى الحروب الغربية المخالفة لكل الشعارات المرفوعة، في وقت ينضبط فيه المقاوم الفلسطيني والعربي والمسلم بمنظومته القيمية النابعة من مظلومية قضيته ومبادئ دينه، فلا يجوز قتل الأطفال ابتداء وتحت كل الظروف، لذا لم يقتل طفل إسرائيلي واحد في هذه المواجهة، وكذا حرمة قتل العجائز والنساء غير المحاربات، وهو ما يجعل أداة المقاومة الراهنة عبر المسيرات الانقضاضية، أداة مفضلة لأنها تستهدف الضباط والجنود والتجهيزات والتموضعات العسكرية حصراً حتى داخل فلسطين المحتلة.
مقارنة شهر من القتال في ضوء الاستراتيجية المتبعة
تشير المصادر الإسرائيلية المختلفة، إلى أن حزب الله أطلق عدداً من المسيرات الانقضاضية داخل فلسطين المحتلة خارج مناطق القتال في جنوب لبنان، وتشير طبيعة المراكز المستهدفة خلال الشهر الحالي أيار، إلى مستوى انضباطه الاستراتيجي تبعاً لقدرة هذه الأداة، وهذه المراكز هي:
القواعد العسكرية والثكنات
تجمعات الجنود والآليات
مواقع الرادار والمراقبة
منظومات الدفاع الجوي
مواقع لوجستية على الحدود
أحيانًا مستوطنات وبلدات حدودية بهدف الضغط النفسي وخلق حالة نزوح داخلي.
بينما جاء الاستهداف الإسرائيلي في المناطق اللبنانية، وهذا من دون عمليات الإبادة على نطاق واسع كما كان قبل الهدنة، وخلال هذه الفترة الزمنية في أيار، وهذا أيضاً وفق المصادر الإسرائيلية المختلفة كما يلي:
أهداف عسكرية مباشرة
وبنية لوجستية
وعمليات اغتيال
وضغط على البيئة الحاضنة
مؤسسات مالية
مراكز اتصالات
بنى إعلامية وشخصيات إعلامية
وشبكات خدمات
مراكز صحية
ويكفي للتدليل على هذا؛ الهجوم على دير قانون النهر قبل أيام قليلة، والذي تسبب بارتقاء 14 شخصاً منهم 4 أطفال و3 نساء من عائلة واحدة، إضافة إلى ارتقاء 6 مسعفين في يوم واحد قبل عدة أيام وهذا من أصل 123 مسعفاً خلال الشهرين الماضيين.
مرّ على هذه الحرب أكثر من سنتين وسبعة أشهر، وهي تأخذ مناحي مختلفة، وتركزت مع جهات متعددة من محور المقاومة خارج غزة حيث كان ميدانها الرئيس، ولكن الاستراتيجية الإسرائيلية الأساسية في الحرب ظلت تدور حول الإبادة الجماعية، على الرغم من التكنولوجيا الإسرائيلية الهائلة في الأسلحة الدقيقة التي يمكنها قتل شخص محدد داخل غرفة من دون أن يمس من يجاوره في ذات الغرفة، إلا أن شهية القتل الإسرائيلية حافظت طوال حروبها على تفضيل عمليات القتل الجماعية بهدف كسر ظهر حواضن المقاومة، كتعبير دقيق ومكثف عن حقيقة مشروع هذا الكيان ونظرته الفوقية للبشر على اختلاف أنواعهم.



