مليون (ما يسوه فلس).. رسالة إلى رئيس الوزراء ..

بقلم: منهل عبد الأمير المرشدي ..
يقول المثل الشعبي العراقي الدارج (إلما يشتري يتفرج) لكننا اليوم لم نعد نملك حتى ترف التفرج، فبجرَّة قلم وصدر رحب لقرارات الترشيد خرج علينا آخر قرار لحكومة الأخ السوداني بحجب حصة التموين عمن يتقاضى راتب مليون دينار فأكثر . ومن هنا نبدأ مخاطبتكم يا دولة الرئيس مع بداية تكليفكم فكلمة مليون في القاموس قد تبدو رقماً كبيرا لكنها في جيوب العراقيين اليوم.. (ما تسوه فلس) . ألا تعلم الحكومة الموقرة أن المواطن مرهون بقطاع خاص ينهش ما تبقى من رمق راتبه؟ أن صاحب كل عائلة يدفع شهريا كحد أدنى ما بين (100 إلى 200) ألف دينار لأصحاب المولدات الأهلية ، وذلك بعد أن شيعنا الكهرباء الوطنية إلى مثواها الأخير بأمر العم سام وأقمنا عليها مجالس العزاء لسنوات طوال دون بارقة أمل . ألا تدري الحكومة أن الاشتراك في خدمة الإنترنت التي أصبحت عصب الحياة والتعليم لا يقل عن (100) ألف دينار شهريا بسبب عجز الدولة عن توفير إنترنت مدعوم ؟ أضف إليها (50) ألف دينار للموبايل لتجد أن ربع الراتب قد طار قبل أن يلمس المواطن شيئا منه . وإذا ما قدر الله واضطر صاحب المليون أن يزور عيادة الطبيب فهنا تبدأ المأساة الحقيقية حيث يجد نفسه أمام قائمة طويلة (أشعة، تحاليل، وصيدليات) لا ترحم بمبالغ تتراوح بين (200 إلى 300) ألف دينار للزيارة الواحدة يدفع المواطن مضطرا لأنه غسل يديه من المستشفيات الحكومية التي نسمع عن موازناتها الانفجارية ولا نجد منها سوى جدران متهالكة وخدمات غائبة ناهيك عن تكاليف التعليم بعد أن ماتت التربية وضاعت مجانية التعليم . نوجه سؤالنا إلى أولئك الذين يسنون هذه القوانين خلف مكاتبهم الفخمة . هل يكفي هذا المليون لتغطية تكاليف وليمة واحدة من ولائمكم؟ أم هل يسد مصرف شهر واحد لطفل من أطفالكم ؟ إن الطبقة الوسطى في العراق التي يمثلها الموظف هي العمود الفقري للمجتمع وبدلا من دعمها نجد الحكومة تعاقبها على صمودها بحجب الحصة التموينية عن صاحب المليون ليس إصلاحا اقتصاديا بل هو استخفاف بمتطلبات العيش الكريم في بلد يسبح على بحار من النفط وأعان الله حال المتقاعد المسكين المنسي براتبه الهزيل . إننا ندعوكم لتتقوا الله في هذا الشعب الصابر المظلوم . المليون دينار اليوم هو راتب كفاف في ظل تضخم الأسعار وانهيار الخدمات الأساسية . مراجعة هذا القرار من قبل الحكومة واجب وحق وإنصاف قبل أن تتحول هذه الطبقة من مستورة إلى مسحوقة خصوصا إذا ما وضعنا من لا يملك دار سكن نُصْبَ أعيننا فأين يسكن صاحب المليون الذي يبتلع بدل الإيجار نصف المليون المتبقي من راتبه حيث لا يجد سكنا لائقا في عشوائيات أطراف بغداد أو المحافظات يقل عن (400 إلى 500) ألف دينار.
فإذا طرحنا الإيجار والمولد والإنترنت ومصاريف العلاج من ذاك المليون العظيم فماذا تبقى إلى لقمة عيال الموظف ؟ أخيرا وليس آخرا نقول إن الترشيد والإصلاح يبدأ من الأعلى لا من رغيف خبز الفقراء فلابد من استرداد أموال الدولة ابتداءً من مزاد العملة الذي ينزف ملايين الدولارات يوميا الى المشاريع الوهمية التي تلتهم المليارات دون أثر على الأرض إلى امتيازات الدرجات الخاصة والرواتب الفلكية التي تتقاضاها الرئاسات وطبقة المسؤولين . من المعيب والمؤلم أن يبدأ الإصلاح دائما من جيب الفقير ومن سلة التموين ، ولماذا يُعتبر الموظف البسيط هو الحلقة الأضعف التي تُجرب فيها نظريات التقشف ؟ يا سيادة الرئيس إن القوة الشرائية للدينار العراقي في تآكل مستمر والأسواق لا ترحم . وكلما نأمله أن تعيدوا النظر في الأمر وتنزلوا إلى الأسواق لتروا أن المليون الذي حسبتموه ثروة تستحق الحجب هو في الحقيقة (ما يسوه فلس) في زمن الغلاء الفاحش ولابد من إنصاف.
الناس قبل أن تضيق بهم السبل فصبر العراقيين له حدود ورغيف الخبز خط أحمر لا يقبل الترشيد والسلام.



