“هلسنكي شرق أوسطية”.. هل تبحث الرياض عن أمنٍ خارج الوصاية الأمريكية؟

بقلم: إلهامي المليجي..
ليس عابراً أن يعود اسم «هلسنكي» إلى قاموس الشرق الأوسط في هذا التوقيت. فالمنطقة التي دفعها العدوان الصهيوني- الأمريكي على إيران إلى حافة انفجار واسع لم تعد قادرة على التظاهر بأن معادلة “الأمن الأمريكي” لا تزال صالحة كما سُوّقت طوال عقود.
ودول الخليج، وفي القلب منها السعودية، لم تعد تستطيع تجاهل الحقيقة العارية: المظلة الأمريكية لا تمنع الحرائق بقدر ما تديرها، ولا تطفئ الحروب بقدر ما تضبط إيقاعها وفق مصالح واشنطن و “تل أبيب“.
من هنا، تبدو الفكرة التي تداولتها تقارير صحفية، وفي مقدمتها تقرير “فايننشال تايمز”، حول إمكان قيام ميثاق إقليمي لعدم الاعتداء، مستوحى من اتفاقات هلسنكي عام 1975، أكثر من تمرين دبلوماسي عابر.
حين يتحوّل الأمن المستورد إلى عبء
منذ عقود، قام الأمن الخليجي على فرضية كبرى: الولايات المتحدة هي الضامن الأعلى، والقواعد الأجنبية شبكة الأمان، والردع الأمريكي هو الحائط الأخير أمام الانفجار. غير أن التجارب المتلاحقة، من العراق إلى اليمن، ومن الخليج إلى البحر الأحمر، ومن التصعيد مع إيران إلى العدوان الصهيوني المفتوح على أكثر من ساحة، أثبتت أن الأمن حين يُستورد من الخارج لا يأتي بلا ثمن. إنه يأتي محمّلًا بأولويات من يمنحه، وبحروبه، وبقدرته على تحويل أرض الآخرين إلى مسرح للضغط والمساومة.
هلسنكي الأصلية.. إدارة الصراع لا إلغاؤه
حين وُقّعت الوثيقة الختامية لهلسنكي عام 1975، لم تكن الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يعلنان نهاية الحرب الباردة. لم يتصالح المعسكران، ولم تتوقف المنافسة الأيديولوجية بين الرأسمالية والشيوعية. ما حدث كان شيئًا آخر: إدراك متبادل بأن استمرار التصعيد بلا قواعد، في عالم نووي، قد يقود إلى كارثة لا ينتصر فيها أحد.
لذلك جاءت هلسنكي لتضع مبادئ سياسية كبرى: احترام سيادة الدول، عدم استخدام القوة، عدم تغيير الحدود بالقوة، تسوية النزاعات سلمياً، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، التعاون الاقتصادي، واحترام الحقوق والحريات. لم تكن الوثيقة معاهدة ملزمة قانونياً بالمعنى التقليدي، لكنها صنعت التزاماً سياسياً ومعيارياً تراكمت آثاره لاحقاً.
لماذا السعودية الآن؟
إذا صح أن الرياض تفكر، أو تشارك في تداول فكرة كهذه، فإن ذلك لا ينفصل عن مراجعة أعمق لحسابات الأمن الخليجي بعد العدوان الصهيوني-الأميركي على إيران. فالسعودية ليست دولة هامشية في معادلة الخليج؛ إنها الثقل العربي والإسلامي والاقتصادي الأكبر في شبه الجزيرة العربية، وأي تحوّل في مقاربتها للأمن الإقليمي يترك أثره على كامل التوازنات.
الكيان الصهيوني.. الطرف الذي يعيش على إشعال الإقليم
أي تفكير جدي في ميثاق عدم اعتداء إقليمي سيصطدم بالعقدة الصهيونية. فالكيان لا يتصرف كدولة طبيعية تبحث عن أمن متبادل، بل كقوة استعمارية ترى أمنها في تفكيك أمن الآخرين. من فلسطين إلى لبنان، ومن سوريا إلى إيران، ظل منطقه واحدًا: الضرب خارج الحدود، فرض الوقائع بالقوة، منع تشكل توازنات مستقلة، واحتكار حق العدوان تحت عنوان “الدفاع عن النفس“.
من ميثاق عدم اعتداء إلى هندسة أمنية جديدة
الفكرة، في جوهرها، أكبر من السعودية وإيران. إنها تفتح النقاش حول احتمال ولادة هندسة أمنية جديدة في الشرق الأوسط، لا تقوم على التبعية العمياء لواشنطن، ولا على إدماج الكيان الصهيوني بوصفه مركزًا للأمن الإقليمي، ولا على إلغاء إيران أو تركيا أو العرب من معادلات بعضهم بعضًا. إنها تطرح، ولو بحذر، سؤالًا كان مؤجلًا: هل يمكن للمنطقة أن تفكر في أمنها بمنطق أهلها، لا بمنطق القواعد الأجنبية والأساطيل البعيدة؟
لا أوهام في الطريق الصعب
لا ينبغي تحميل الفكرة أكثر مما تحتمل. فهي حتى الآن أقرب إلى بالون اختبار سياسي ودبلوماسي منها إلى مشروع مكتمل. والطريق أمامها مليء بالعقبات: اختلاف المواقف داخل الخليج، القلق من نيات إيران، الضغوط الأميركية، التخريب الصهيوني المتوقع، وتعقيدات الملفات المفتوحة في أكثر من ساحة. كذلك فإن أي ميثاق لعدم الاعتداء لا قيمة له إذا لم يتحول إلى آليات واضحة: قنوات اتصال، ترتيبات إنذار مبكر، تفاهمات حول أمن الممرات البحرية، ضوابط للصواريخ والمسيرات، واحترام متبادل للسيادة.
لكن صعوبة الطريق لا تلغي أهمية الاتجاه. فالمهم أن السؤال تغيّر. لم يعد: كيف نحتمي أكثر بواشنطن؟ بل: كيف نقلل حاجتنا إليها؟ لم يعد: كيف ننخرط في الاستراتيجية الصهيونية ضد إيران؟ بل: كيف نمنع أن تتحول المواجهة مع إيران إلى منصة لاستباحة المنطقة كلها؟ لم يعد: كيف نعيش في ظل حرب دائمة؟ بل: كيف نمنع الحرب من أن تصبح قدرًا إقليميًا؟
وحين تدرك دولها أن من يستورد أمنه يستورد تبعيته، وأن من يربط مصيره بحروب الآخرين لن يحصد إلا رمادهم. أما الشرق الأوسط، إذا أراد أن ينجو، فعليه أن يكتب هلسنكيته الخاصة: لا نسخة من أوروبا، ولا صدى للحرب الباردة، بل عهدًا إقليميًا جديدًا يعلن أن زمن تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للعدوان الصهيوني والوصاية الأميركية يجب أن ينتهي.



