هل تريد إسرائيل فعلاً السلام مع لبنان؟

بقلم: كريستينا شطح..
يخطئ من يظن أن المفاوضات السياسية والأمنية التي تجري تباعاً في واشنطن هي مجرد مواجهة بين نصوص قانونية وخرائط جغرافية؛ فالعملية التفاوضية في جوهرها هي “صراع سيكولوجيات”، وفهم عميق للبنية الثقافية والذهنية للخصم. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة أمام الوفد اللبناني المفاوض للتسلح بـ”كتالوج” نفسي وتأريخي فريد، صاغه النص القرآني بدقة في سورة البقرة (الآيات 67-71).
إن قصة “البقرة” مع بني إسرائيل لم تكن مجرد سرد لحدث غابر، بل هي تشريح بنيوي لعقلية “المماطلة والتفاوض الإنهاكي”. وحين يُنصح الوفد اللبناني بقراءة هذه الآيات، فالهدف ليس الوعظ الديني، بل استخلاص استراتيجية تفاوضية مضادة تقي لبنان من الوقوع في شرك “المتاهة الإسرائيلية”.
ولإدارة هذا التفاوض بنجاح، على الوفد اللبناني إسقاط الدروس السيكولوجية للآيات على طاولة واشنطن عبر ثلاث ركائز أساسية:
أولاً: تفكيك “استراتيجية الإنهاك” والهروب إلى التفاصيل
في النص القرآني، تحوّل أمر بسيط ومباشر: «إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة» إلى دوامة من الأسئلة: “ما هي؟”، “ما لونها؟”، “ما صفاتها؟”. هذا الأسلوب هو عينه “التكتيك الإسرائيلي” التقليدي؛ الهروب من جوهر القضية (السيادة، والانسحاب، والحقوق الثابتة) عبر إغراق المفاوض اللبناني في تفاصيل تقنية وفنية معقدة (أمتار الحدود، صلاحيات اللجان، وآليات الرقابة المطاطية).
لذا، على الوفد اللبناني عدم السماح للخصم بجرّه إلى “متاهة التفاصيل” التي تُستخدم كغطاء لكسب الوقت وفرض أمر واقع جديد على الأرض.
ثانياً: صياغة النصوص المغلقة وسد ثغرات التملص، فبنو إسرائيل لم يمتثلوا للأمر إلا عندما حوصروا بنص محكم، وأوصاف دقيقة ومغلقة لا تحتمل التأويل، عندها فقط قالوا: «الآن جئت بالحق». والعقلية التفاوضية الإسرائيلية بارعة في البحث عن الثغرات اللغوية، واستخدام الكلمات “حمالة الأوجه” (مثل: المرونة الأمنية، التنسيق المشترك، والتدابير التسهيلية) للالتفاف على الالتزامات لاحقاً.
وهنا، على الوفد اللبناني أن يتمسك بلغة قانونية صارمة، قاطعة، وجازمة، تخلو من أية عبارات إنشائية أو رمادية يمكن للجانب الإسرائيلي تفسيرها مستقبلاً بما يخدم مصالحه.
ثالثاً: وعي حقيقة “فذبحوها وما كادوا يفعلون”، تختم الآيات القصة بعبارة بليغة تلخص نية الامتثال: «فذبحوها وما كادوا يفعلون»، أي أنهم نفذوا الأمر مكرهين، وتحت وطأة الضغط الشديد وبعد أن سُدّت في وجوههم كل الذرائع، لا عن قناعة أو حسن نية. وفي السياسة، التوقيع الإسرائيلي على أي اتفاق في واشنطن لا يعني التزاماً طوعياً أو رغبة في استقرار دائم.
وعليه، فإن الأمان الحقيقي لأي اتفاق يوقعه لبنان ليس “الضمانات الأمريكية” المعسولة، ولا الوعود الدولية، بل الضمانة الوحيدة هي الاحتفاظ بأوراق القوة الميدانية والسياسية؛ فالتأريخ والقرآن يثبتان أن هذه العقلية لا تلتزم بالعهود إلا إذا كانت تكلفة خرق الاتفاق أشد إيلاماً عليها من تكلفة احترامه.
ولمن لا يريد التبحر في سورة البقرة، فليأخذ بما ورد في إنجيل متى (الإصحاح 23)، حين وجّه المسيح توبيخاً عنيفاً للقيادات الدينية والسياسية في زمنه بسبب أسلوبهم في التفاوض، والمماطلة، والالتفاف على القسم والعهود عبر ثغرات لفظية، واصفاً إياهم بـ”القادة العميان”: (وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْقَادَةُ الْعُمْيَانُ الْقَائِلُونَ: مَنْ حَلَفَ بِالْهَيْكَلِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ مَنْ حَلَفَ بِذَهَبِ الْهَيْكَلِ يَلْتَزِمُ!… وَمَنْ حَلَفَ بِالْمَذْبَحِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ مَنْ حَلَفَ بِالْقُرْبَانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَلْتَزِمُ) (متى 23: 16-18).
وفي المحصلة، فإن الذهاب إلى واشنطن بعقلية الدبلوماسية التقليدية القائمة على “حسن النية” وتبادل التنازلات هو انتحار سياسي مع خصم يملك جينات تأريخية في المماطلة والالتفاف. يحتاج الوفد اللبناني اليوم إلى التفكر بما ورد على لسان المسيح، واستحضار سيكولوجية سورة البقرة: نَفَس طويل، نصوص مغلقة لا تقبل الجدال، والاتكاء على الميدان كأداة ضغط وحيدة لانتزاع الحقوق.



