اخر الأخباراوراق المراقب

لماذا السلام هو الأصل؟

لكل شيء نقيض ورديف، فنقيض النهار الليل، ونقيض الخير الشر، ونقيض الحرب السلم، وهنالك ما يردف النهار وهو الضوء، وما يردف الخير وهو السلام، إذن تقوم حياتنا على النقائض وعلى المرادفات، والنقيضان لا يتعايشان، كما نلاحظ العلاقة بين الحرب والحياة، فكلاهما نقيض الآخر، أينما تحصل الحرب تموت الحياة أو تنحسر وتتراجع، وكلما ازدهرت الحياة شاع السلم وانهزمت الحرب، وهذا ينطبق على النقائض الأخرى طبعا.

لذلك جاءت الأديان كلها لكي تهذب النفس البشرية، وتخلصها من شوائب الشرّ ومنها الحروب، لكي تنشر فيها السلام وتشيع أجواء السلم والسلام، لكن حياة الناس آخذة في التعقيد حقبةً بعد أخرى، ولعل التصاعد المادي الاستهلاكي أحد أكبر نتائج المادية المستفحلة، حيث أخذ الإنسان يغادر البساطة، ويفرّط بالسلام، بل ويسخر من الطبيعة ويُعيب على الناس ميلهم نحو القيم الإنسانية المشجعة على نشر السلم والسلام والازدهار.

فكثرَ الماديون، وماتت البساطة، وتراجعت أنماط العيش الراضية بما لديها وما فيها، وتصاعدت أطماع البشر، وصارت الحروب أداة مطيعة للمادية المستهترة، كل هذا لأن الإنسان باتت تسيطر عليه نزعة مادية شريرة، حاول الدين ولا يزال ترويض هذه النزعة، وكبح أطماعها، لاسيما في نشر الخصائص التي يجب أن تؤطر الحرب، وتجعل منها تحت سيطرة قوانين أو قواعد لا يجوز ضربها أو تجاوزها، حتى يبقى الإنسان فاعلا منتجا في ظل السلم والازدهار.

لهذا يجب أن يكون كل إنسان آمنا في مسكنه، ومطمئنا في حياته حتى يكون قادرا على إدامة وسائل الحياة الطبيعية أو المصنّعة، أما في حالة حدوث العكس، أي في حالة الحرب وفقدان الأمن، فإن أسباب ووسائل ومنتجات الحياة تتوقف، أو تتراجع، وتغدو قيمة الإنسان الإنتاجية شبه معدومة، بسبب الخوف، لذلك تم وضع خصائص للحروب حتى لا تطغى ولا تعبر الحدود القاتلة للحياة، كونها (الحرب) هي ماكنة الخوف.

ندرة الأمن فقدان للتقدم والازدهار

والخوف يحطم الإنسان، ويستنزف معنوياته، ويحيله إلى (صفر على الشمال)، ليصبح بلا حول ولا قوة ولا دور، عاجزا عن الإنتاج، ومائلا إلى الجمود، تائها في بحر من المخاوف، فاقدا للكرامة وللمعنويات التي تعطي لوجوده سببا ومعنى، لذلك طالب القرآن بالجنوح إلى السلم، ومغادرة منطق الحرب تحت ضغوط أشدّها الطمع، وأخطرها المادية المستأسدة.

لذا وضع الإسلام خصائص للحرب، وأعطاها التسمية التي تمنحها صفة القبول الحصرية، ألا وهي صفة الحرب الدفاعية، وخصائصها التي ترفض رفضا مطلقا الشروع بالحرب، سواء من حيث الإعلان أو الإطلاق الفعلي لها، ولعل الخصيصة الأهم للحرب الدفاعية، أن لا تبدأها أنت، ومن خصائصها الأهم أن تكون دفاعية (دفاعا عن النفس)، وهذا يحتّم وجود طرف بادئ للحرب والاعتداء، ومهدّد للحياة وفروعها.

فهناك نفوس تميل إلى العنف وإلى العدوان، وهذه النفوس قد تعود لأناس يتقلدون مناصب كبرى وحساسة، وتكون الكلمة الفصل بأيديهم، وهذا ما قرأنا في سجل الحروب البشرية، قديما ووسطا وحاضرا، فبسبب هتلر قُتِل الملايين، وشرِّد أكثر، وتضرر مليارات البشر، لذا فإن الحرب الدفاعية تُعدّ لمثل هؤلاء، ولكن ضمن خصائصها التي تتحدد بإيقاف العدوان وأصحابه.

ولأن الحروب قائمة على مرّ التأريخ قبل الإسلام وبعده، وقبل الأديان وبعدها، فإن ما دوّنته سجلات الحروب تؤكد لنا بأن صفة (الحرب الدفاعية) تشكل توأما للإسلام، فلا توجد في تأريخه كله حرب (هجومية) أو عدوانية، وإنما جميع حروب الإسلام كانت (دفاعا عن النفس، الأرض، العرض، الحق)، ولا توجد حرب إسلامية واحدة ضربت خصائص الحرب الدفاعية عُرض الحائط، وأعظم هذه الخصائص عدم إعلانها وعدم البدء بها.

لماذا حبَّذ الإسلام السلم؟

وهذا ما أكّده مؤرخون غربيون توخوا معرفة الحقيقة والوصول لها، فأكدوا في كتاباتهم أن حروب الإسلام ذات صفة دفاعية بحتة، ملتزمة بالخصائص التي تؤكد طبيعتها وأسلوبها غير الهجومي، وإنما هي نوع من حماية النفس، ودرء الخطر، فهناك حروب تُفرَض وهي تهدد الأنفس والأرض والعرض والممتلكات والدين، وهذا ما لا يمكن التخلص من أضراره القاتلة إلا بالمواجهة الدفاعية الملتزمة بالضوابط والقيم الإنسانية.

أما حين يُطرح التساؤل التالي، لماذا حبّذ الإسلام السلم والسلام، ولماذا أطّر الحرب بالصفة الدفاعية وأركانها وخصائصها، فهذا يعود إلى حتمية وأهمية أن ترفل الإنسانية كلها بالسلم من وجهة نظر الإسلام وأدبياته وتعاليمه، وأن يردع الإنسان نفسه من إكراه الآخر على رأي لا يتوافق معه، أو على فكر لا يحبّذه أو على طريقة حياة لا ترقى إلى قناعته.

لا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل لا يجوز فرض الدين على الآخر، ولا يجوز الإكراه عليه، وهذا مثبت في كتاب الله الحكيم، في الآية القرآنية الذائعة (لا إكراه في الدين) سورة البقرة، الآية 256، مما يؤكّد أن الإسلام يرفض القسر، ويحذر من الإجبار، ويشجع على الفهم والاطلاع والإقناع، وكل هذه القضايا تأتي في دائرة الحفاظ على السلم والسلام، والالتزام بخصائص الحرب الدفاعية التي تطفئ حرائق الحروب وتنشر السلام في ربوع الأرض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى