اراء

“تأثير الأرض”.. عودة سلاح الجو الأمريكي إلى التقنيات الجوية العتيقة

الكاتب: محمد عبده..

في خضم الاستعدادات المستمرة للجيش الأمريكي لمواجهة التحديات التي قد يفرضها أي تحرك عسكري صيني في اتجاه تايوان أو نطاقات أخرى بالمحيط الهادئ، طرأ تطور لافت على الأنظمة الجوية التي تستخدمها قوات مشاة البحرية الأمريكية -التي تعتبر رأس حربة أساسياً في أي انخراط عسكري أمريكي خارجي- يتمثل في التحليق الأول من نوعه لطائرة بدون طيار تعمل بتقنية “تأثير الجناح على الأرض” -المعروفة اختصاراً بـ (WIG) حيث خضعت هذه الطائرة خلال الشهر الجاري لأول رحلة تجريبية لها كنموذج مصغر، وهو حدث يحمل في طياته العديد من الدلالات، التي لا ترتبط فقط بالموقف الاستراتيجي في منطقة الإندوباسيفيك، بل تمتد إلى مستقبل الأنظمة العسكري غير المأهولة، والأساليب المستخدمة في عمليات النقل العسكري الإستراتيجي المستقبلية.

الطائرة المسيرة المقصودة في هذه التجربة كانت الطائرة ذاتية القيادة “سكوير سي جلايدر”، التي تنتجها شركة “ريجينت” الأمريكية، وتمت عملية التحليق بنجاح، لتشكل بذلك سابقة أولى في تأريخ الصناعات العسكرية الأمريكية، التي لم تنجح خلال عقود مضت في إتمام تجربة ناجحة لتحليق طائرة تعتمد على مبدأ “تأثير الجناح على الأرض”، في حين نجحت دول أخرى مثل الاتحاد السوفياتي والصين، في إنتاج أنواع عدة من الطائرات المأهولة التي تعتمد على هذا المبدأ، وإن كان التميز الأميركي في هذا الإطار يرتبط بإنتاج أول طائرة “مسيرة” تعتمد على هذا المبدأ، وهو ما لم يتوصل إليه كل من الصين وروسيا.

تأريخياً، يطلق على الطائرات العاملة بهذا المبدأ، أسم “مركبات التأثير الأرضي “(GEV)، حيث تعتمد بشكل أساسي على استغلال تأثير جاذبية الأرض، بحيث تقوم المحركات في مقدمة الطائرة، بتوجيه مقدمتها إلى أسفل، والتحليق على ارتفاعات منخفضة للغاية قرب سطح الماء، ما يقلل من مقاومة الهواء، ويشكل وسادة هوائية تنحصر بين الأجنحة وسطح الماء، ما يمكن الطائرة من الوصول إلى سرعة تحليق تبلغ نحو 550 كيلومتراً في الساعة، أي أكثر من 20 ضعف سرعة أية سفينة.

تطور نوعي في الأنظمة الجوية العسكرية المسيرة

لا تعتبر طائرة “سكوير سي جلايدر” أول طائرة مسيرة تعتمد على مبدأ “تأثير الجناح على الأرض” فقط، بل تعتبر أيضاً أول مركبة جوية غير مأهولة، تقلع من على سطح الماء، حيث تستهدف واشنطن من المضي قدماً في برنامج تطوير هذا النوع من الطائرات المسيرة توفير منصة نقل لوجستية لا تعتمد على المدارج، ما يسمح بدعم الوحدات العسكرية المنتشرة في البيئات البحرية المتنازع عليها، وبالتالي تقليل هامش الاعتماد على مدارج أرضية للإقلاع والهبوط، من الصعب تأمينها في ظل التطور المتسارع في الذخائر الجوالة والطائرات المسيرة الانتحارية.

بالتالي تصبح هذه الطائرة بمنزلة منصة تكتيكية لتنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة والاستطلاع، والإمداد اللوجستي، والبحث والإنقاذ القتالي في المناطق المتنازع عليها، بما يسمح لها بتنفيذ مهام تتجاوز الجانب العسكري إلى جوانب أخرى ترتبط بالأمن، مثل مهام مكافحة المخدرات وتتبع عمليات الهجرة غير الشرعية.

في بداية العقد الأول من القرن الحالي، أطلقت شركة “بوينج” الأمريكية برنامج “بوينج بليكيان” لتطوير طائرة نقل استراتيجي، تعتمد على مبدأ “تأثير الجناح على الأرض”، وقادرة على نقل حمولات كبيرة تصل إلى 1400 طن، بحيث يتم نقل عشرات الدبابات أو ناقلات الجند أو الجنود. ورغم المفهوم “الطموح” لهذا البرنامج، إلا أنه لم يخرج عن دائرة المفاهيم النظرية، لكن نبعت أهميته في كونه كان الأساس النظري الذي تم بناء عليه بدء أكبر برنامج أمريكي لتطوير طائرات تعتمد على هذا المبدأ، وهو برنامج “ليبرتي ليفتر”، الذي أطلقته وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة في وزارة الدفاع الأمريكية، منتصف عام 2022.

التوجهات الأمريكية المستقبلية نحو تقنيات “تأثير الأرض

لا تزال موسكو محتفظة منذ سنوات الحرب الباردة بقصب السبق في مجال تطوير الطائرات العاملة بهذا المبدأ، رغم أن الجهود الروسية لإعادة إحياء عمليات إنتاج طائرات هذه الفئة في السنوات الأخيرة، لم تسفر عن نتائج واضحة حتى الآن، إلا أنه من الواضح أن دولاً عدة باتت تضع في اعتبارها تطوير طائرات تعتمد على المبدأ، وخصوصاً الصين التي قامت عملياً بإنتاج طائرة تعتمد على هذا المبدأ، عرفت إعلامياً باسم “وحش بوهاي”، وعرضتها للمرة الأولى في منتصف عام 2025، في خليج “ياتشو”، الواقع غرب مدينة “سانيا” في محافظة “هاينان”، وهي مزودة بأربعة محركات نفاثة كبيرة، مثبتة فوق جناحها القصير.

وقد كانت لبكين تجارب سابقة في مجال الطائرات العاملة بمبدأ “التأثير الأرضي”، إذ بدأت عمليات تطوير هذه الطائرات أواخر تسعينيات القرن الماضي، وأنتجت أول طائراتها “XTW-4” عام 1999، وتلتها اختبارات لأنواع أخرى مثل “DXF-100” و“ALBATROSS-5”، لكن كانت هذه التجارب متواضعة من حيث التطور، وكانت ترتبط بشكل أكبر بالتطبيقات المدنية، وكان أحدثها الطائرة “شيانغتشو 1″، التي تم اختبارها للمرة الأولى أواخر عام 2017، وهي عبارة عن طائرة نقل صغيرة للركاب، تعتمد على مبدأ “التأثير الأرضي”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى