اراء

هل تنجح وساطة مصر في وقف الحرب على إيران؟

بقلم: ثابت العمور..
فتحت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران المشهد في منطقة الشرق الأوسط على مصراعيه في اعادة ترتيب العلاقات والتحالفات وسيناريوهات الأدوار السياسية والدبلوماسية؛ إذ أن هذه الحرب ليست كغيرها ولن تنتهي دون أن تُفضي لإحداث توازنات إقليمية وأدوار سياسية واستراتيجية في المنطقة.
وقد برزت مصر بما لديها من ثقل سياسي ودور دبلوماسي وأدوات وخبرات في وسط الأحداث والمواجهة العسكرية الحاصلة كأحد أبرز الفاعلين والوسطاء الساعين لوقف الحرب واحتواء تداعيات التصعيد وفتح الباب للحل السياسي؛ فهل تنجح وساطة مصر في وقف الحرب على إيران؟
على مر التاريخ كانت مصر حاضرة كوسيط سياسي ودبلوماسي حاضر وقادر بما يمتلكه من خبرة وأدوات ومُحددات واضحة وموضوعية وواقعية على إعادة موازين الاستقرار في المنطقة؛ وقبل بدء الحرب على إيران في 28 فبراير 2026، كانت مصر حاضرة كوسيط بين طهران وواشنطن يهدف إلى نزع فتيل الحرب ومنع اندلاعها.
بدأت وساطة مصر قبل الحرب تحديداً في حزيران 2025؛ وقادت مسار تفاوضي استطاع أن يُحدث اختراق نوعي لو كُتب له أن يمضي، ونجحت الوساطة المصرية في 9 أيلول 2025؛ في التوصل لاتفاق تعاون وشفافية بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومنذ اندلاع الحرب واصلت مصر اتصالاتها لمنع اتساع رقعة الصراع في المنطقة، مؤكدة أهمية العمل على احتواء آثار التصعيد الممتد بالمنطقة في ظل استهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية، ومؤخراً ازدادت تحركات القاهرة ووساطتها وفي 22 آذار 2026، وبتوجيهات من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، جرت اتصالات بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي وكل من نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان، ورئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، والمبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف.
وسبق أن أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة خليجية ضمت السعودية وقطر والإمارات والبحرين أعقبت جولة خليجية مماثلة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، وكان الرئيس المصري قد أكد خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة. مؤكداً أن مصر “ما زالت تقوم بوساطة لوقف الحرب”، مشدداً على ضرورة الدبلوماسية كسبيل وحيد لحل الأزمة ومنع انزلاق المنطقة لحرب شاملة. مشيرا بأن الحرب تمثل “انعكاسا لخطأ في الحسابات والتقديرات”.
وتواصل مصر تحركاتها المكثفة لدفع المفاوضات بين واشنطن وطهران من أجل الوصول لاتفاق عادل ومستدام يراعي مصالح كافة الأطراف، وذلك تزامناً مع حديث أميركي عن تلقي إيران نقاطاً للبحث عبر وسطاء.
أفضت التحركات المصرية وفق ما كشفته صحيفة وول ستريت جورنال بأن المخابرات المصرية نجحت في فتح قناة اتصال مع حرس الثورة الإيراني، وقدم المسؤولون المصريون، عبر هذه القناة، مقترحاً يقضي بوقف الهجمات العسكرية لمدة 5 أيام، على أن تُستخدم هذه الفترة في بناء الثقة تمهيداً للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
وجاء هذا التحرك في وقت عقد فيه وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية وباكستان اجتماعاً في الرياض، في محاولة لإيجاد مسار دبلوماسي لإنهاء الحرب. وقد أسهمت هذه الاتصالات في نقل مؤشرات إلى واشنطن بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب.
في قراءة دلالات الوساطة المصرية حظوظها وفرص نجاحها ومحدداتها نجد أن التحرك المصري تجاه الحرب الأمريكية -الإسرائيلية على إيران قد اتسم بالعقلانية الكاملة والدبلوماسية المتوازنة التي تُميز سياسات الدولة المصرية على مر التاريخ وفي كافة الصراعات التي تدخل وتتدخل فيها كوسيط والتي تحافظ على بقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع جميع الأطراف المتحاربة بحيادية موضوعية وعقلانية ودبلوماسية مكوكية نشطة متوازنة متسلحة بخبرة طويلة وتجارب عديدة. لا تستبعد ولا تُسقط مشاركة أي طرف من حساباتها واتصالاتها.
وعليه فإن دور مصر ووساطتها لا تأتي من فراغ، بل تعكس إدراك القاهرة لخطورة استمرار الحرب على منطقة الشرق الأوسط واستقرار النظام الإقليمي، ولأن مصر تدرك بأن أي حرب مفتوحة مع إيران قد تُعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة بشكل جذري. فاستمرار الحرب لا يهدد فقط أمن المنطقة واستقرار دول الخليج، بل قد يمتد تأثيره إلى البحر الأحمر وطرق التجارة الدولية، وهو ما يمس عماد الأمن القومي المصري بشكل مباشر نظراً لتهديد الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وارتفاع أسعار النفط، وتراجع حركة التجارة العالمية، وتأثر إيرادات قناة السويس، من أجل ذلك تتحرك مصر لوقف الحرب قبل أن يتحول الأمر إلى أزمة اقتصادية عالمية كبرى. والشاهد هنا أن تحرك مصر لوقف الحرب على إيران محكوم بمصالح مصرية سياسية واقتصادية تدفعها بضرورة القيام بكل ما هو مطلوب من أجل نجاح دورها لحماية مصالحها والحفاظ عليها وليس من أجل نجاح الوساطة في حد ذاتها.
محددات الوساطة المصرية محكومة أيضا بمخاوف أن يؤدي استمرار الحرب إلى توسيع دائرة الصراع الإقليمي، خاصة إذا انخرطت قوى إقليمية أخرى -أنصار الله- بشكل مباشر. ومثل هذا السيناريو قد يدفع المنطقة إلى حالة من الفوضى الاستراتيجية، بما يهدد استقرار العديد من الدول العربية.
ولكن رغم ما يتوفر لمصر من مقومات وأدوات فإن نجاح وساطتها في وقف الحرب على إيران مرتبط بعوامل وتحديات أخرى عديدة، ذلك أن الحرب على إيران ليس مجرد صراع عسكري تقليدي او صراع مصالح أو حدود بل صراع مرتبط بمتغيرات غير تقليدية كالنسق العقيدي لكلا من ترامب ونتنياهو وحساباتهما الشخصية والسياسية والانتخابية.
ومرتبط بمتغيرات ايديولوجية تتعلق بإسرائيل الكبرى وبسيطرة واشنطن على كافة منافذ الطاقة ومكونات النظام الدولي ومرتبط بعقيدة دينية تتعلق بتعجيل ظهور المسيح وتتعلق بأسواق النفط والمصالح المالية للوبي اليهودي في الولايات المتحدة واللوبي اليميني المتطرف المُكّون لحكومة الاحتلال.
وبالتالي هذه كلها متغيرات تتحكم في فرص وظروف وحظوظ الوساطة المصرية. التي يخدمها هنا ارتفاع التكلفة وقدرة إيران على افساد المخططات والتقديرات الأمريكية – الإسرائيلية السبب الوحيد القادر على وقف الحرب هو اقتناع كلاً من واشنطن وتل ابيب انه لا يمكن هزيمة إيران ولا يمكن تحقيق اهدافهم ولا يمكن الاستمرار في الحرب.
وساطة مصر نجاحها أو فشلها في وقف الحرب على إيران محكومة بثلاثة سيناريوهات الأول: نجاح القاهرة في التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار يبدأ مؤقتا ثم يصمد ويستمر وهذا يعني اختراق دبلوماسي لمصر يضمن لها موقع ومقعد متقدم كوسيط اقليمي ودولي موثوق به وقادر على التأثير.
الثاني: نجاح جزئي لمصر في تخفيف التصعيد وإذابة الجليد بمعنى تبادل المقترحات وابقاء قنوات الاتصال مفتوحة ولكن دون التوصل لاتفاق شامل، هذا قد يقلل من فرص تدحرج الصراع وقد تستعين مصر بقوة اقليمية أخرى كتركيا وباكستان لتصبح وساطة جماعية، هذا السيناريو يعني ان مصر ثبتت موقعها كرأس حربة عربي فاعل في المنطقة ويشارك ويتشارك مع تركيا وباكستان في دور الوساطة في المنطقة.
السيناريو الثالث: فشل الوساطة المصرية واستمرار الحرب وهو ما يعني تدحرج الحرب واعادة ترتيب التوازنات والعلاقات والتحالفات، ومردود هذا السيناريو خطير على دول المنطقة كلها وليست على دور مصر ووساطتها فقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى