اراء

أين المنجز؟

بقلم/ سمير السعد..

الرياضة لا تعيش على التصفيق وحده، ولا تصنع أمجادها عدسات الكاميرات. الملعب وحده يكشف الحقيقة، هناك يسقط الكلام أمام النتيجة، وتتحول الأحلام إلى أرقام وميداليات وكؤوس ومنصات تتويج. كل انتصار يرفع راية العراق هو صفحة جديدة في ذاكرة الوطن، وكل إخفاق يتكرر دون مراجعة يترك جرحًا في قلب جمهور ينتظر منذ سنوات عودة الرياضة العراقية إلى واجهة المنافسة العربية والقارية والدولية.

الجماهير العراقية عرفت طعم المجد الرياضي، وذاكرتها ما زالت تحتفظ بأسماء أبطال وقادة صنعوا إنجازات بقيت حاضرة في تأريخ الرياضة. لذلك لم تعد تبحث عن مسؤول يملأ الشاشات حضورًا، أو اتحاد يُكثر من البيانات، أو إدارة تحتفل بالوعود، إنها تبحث عن بطل يقف فوق منصّة التتويج، ومنتخب ينافس حتى اللحظة الأخيرة، واتحاد يكتشف الموهبة ويصنع لها طريقاً نحو البطولات. الرياضة تحتاج إلى من يعمل بعيدًا عن الأضواء كما تحتاج إلى من يرفع الراية أمامها، لأن قيمة المسؤول الرياضي تقاس بما يتركه خلفه من إنجاز، لا بما يتركه من صور.

الجولات الميدانية مطلوبة، والنزول إلى الشارع خطوة إيجابية حين تكون جزءًا من منظومة متابعة ومحاسبة وخطة عمل واضحة. المشكلة تبدأ عندما تتحوّل الجولة إلى مشهد غضب أمام الكاميرا، ثم يغادر المسؤول المكان دون حلول محدّدة أو جدول زمني أو نتائج قابلة للقياس. عندها تتحول الرقابة إلى مشهد إعلامي ينتهي بانتهاء التصوير.

الخطر يمتد حين تتحول الهالة الإعلامية إلى مشروع سياسي وانتخابي مؤجل. سنوات من الصور والمقابلات والمقاطع قادرة على صناعة اسم وشخصية جماهيرية، ثم تتحول الشهرة إلى رصيد انتخابي. وهنا يبرز السؤال: هل استُخدمت موارد الدولة لخدمة المواطن، أم لصناعة صورة شخصية لمسؤول قد تصبح لاحقاً وسيلة انتخابية؟

المشهد ذاته قد يظهر داخل القطاع الرياضي. صور مع الرياضيين، مقابلات، بيانات، منشورات، موائد، لقاءات وهدايا وكلام معسول، فيما تبقى المنشآت والمواهب والبطولات تنتظر من يضع لها خطة حقيقية. الرياضة تُقاس بالنتائج، وتطوير المواهب، والبنية التحتية، والبطولات، ودعم الرياضيين، وحضور العراق في المحافل الدولية.

قد يقول قائل إن صعود المنتخب العراقي إلى كأس العالم 2026 منجز، نعم، التأهل إنجاز يستحق الفرح. لكن هل يكفي ذلك ليكون سقف الطموح؟ وهل قدمنا نتائج تضعنا في موقع المنافس الحقيقي كما فعل الأشقاء العرب، المغرب والجزائر وقطر والسعودية ومصر، ثم أين الألعاب الفردية والجماعية، أين أبطال العراق ومنصّات التتويج؟

العراق الذي كان يسبق كثيرًا من أشقائه العرب بخطوات كبيرة، يشهد اليوم تراجعًا مستمرًا في ألعاب عدّة. الجماهير متعطّشة للمنجز، لا للتصريحات والسجلات والمناكفات.

الدولة وفرت امتيازات وأموالاً، ولذلك تحتاج الاتحادات والإدارات إلى مراجعة جادة. كل جهة صرفت أموالاً دون نتائج حقيقية تستحق التقييم والتحقيق والمحاسبة، فهدر المال العام لا يمكن أن يصبح أمرًا اعتياديًا في الرياضة.

كم من نجم صنع المجد داخل الملعب ثم أخفق في الإدارة، فضاع تأريخه الرياضي مع سنوات الفشل؟ وكم من قيادة إدارية امتلكت المنصب والامتيازات، لكنها لم تقدم للرياضة العراقية سوى الكلام؟

المجد بالمنجز، والتأريخ بأثر ما يقدّمه الرياضي والقائد الإداري. العراق لا يحتاج مزيدًا من الصور، يحتاج راية ترتفع، وميدالية تُنتزع، وبطلاً يُصنع، ومنصّة تتويج تقول للعالم إن العراق قادر على استعادة مكانه الذي يستحقه.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى