مقترح قانون الإجازات الطويلة للموظفين يخلق حالة من الرفض والقبول

في محاولات لردم “هُوة” الأزمة الاقتصادية
المراقب العراقي / أحمد سعدون..
أثار مقترح منح الموظف إجازة طويلة مع استمرار صرف نصف راتبه الاسمي جدلاً اقتصادياً واسعاً، في ظل الظروف المالية الصعبة التي يمر بها العراق وتراجع الإيرادات النفطية، وسط تحذيرات من أن يتحول المقترح إلى عبء إضافي على الموازنة العامة دون أن يقدم معالجة فعلية لمشكلة الترهل الوظيفي أو الأزمة الاقتصادية.
وينص المقترح الذي طرحته اللجنة المالية النيابية على منح الموظف إجازة طويلة تصل إلى خمس سنوات، مع احتفاظه بنسبة 50 بالمئة من راتبه الاسمي خلال مدة الإجازة، الأمر الذي دفع مختصين إلى التحذير من تداعياته المالية، خصوصا إذا توسعت أعداد الموظفين الراغبين في الاستفادة منه.
ويرى اقتصاديون أن استمرار صرف جزء من الراتب لموظف خارج الخدمة الفعلية يمثل التزاما ماليا على الدولة، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى السيطرة على الإنفاق الجاري وتأمين النفقات الأساسية، مؤكدين أن أي تشريع جديد ينبغي أن يسبقه احتساب دقيق للكلفة المالية وعدد المستفيدين والآثار المترتبة على الموازنة.
ويشير المختصون إلى أن السماح للموظف خلال الإجازة بالعمل في القطاع الخاص قد يفتح بابا جديدا للمنافسة مع أصحاب المهن الحرة، خصوصاً أن الموظف سيحصل على دخل من الدولة وضمان تقاعدي بالتزامن مع دخله من العمل الخاص، بينما يتحمل أصحاب الأعمال والمهن الحرة كامل تكاليف أعمالهم في ظل تراجع النشاط الاقتصادي.
ويحذر اقتصاديون من أن دخول أعداد كبيرة من الموظفين إلى سوق العمل الخاص قد يزيد معاناة بعض القطاعات كالمجال الصحي وذلك بلجوء الأطباء الى العيادات الخاصة والمستشفيات الأهلية ، وحرمان المستشفيات الحكومية من خبرتهم ، كما أنه سيسمح بهجرة الكادر التعليمي وخصوصاً ذات التخصصات العلمية باللجوء الى معاهد التدريس الاهلية مع ضمان استمرار خدمته وفق هذا القانون في القطاع الحكومي .
وبحسب المختصين، فإن معالجة الترهل الوظيفي يجب أن تعتمد على إصلاح إداري حقيقي، من خلال إعادة توزيع الموظفين وتدوير الملاكات بين الوزارات والمؤسسات الحكومية، ورفع الإنتاجية وربط التوظيف باحتياجات الدولة، بدلا من معالجة المشكلة عبر منح إجازات طويلة مدفوعة جزئيا.
وفي المقابل يؤكد اقتصاديون أن التحديات المالية التي يواجهها العراق تتطلب من السلطة التشريعية التركيز على قوانين اقتصادية قادرة على تغيير بنية الاقتصاد، من خلال دعم الزراعة والصناعة وتوفير مستلزمات الإنتاج وخلق بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي.
كما تتطلب المرحلة المقبلة بحسب المختصين إعادة النظر في أداء القطاع المصرفي وتطوير قدرته على تمويل المشاريع الإنتاجية، إلى جانب سنِّ تشريعات تُسهل دخول رؤوس الأموال وتشجع رجال الأعمال على الاستثمار في القطاعات الصناعية والتجارية والزراعية.
ومن جانبه أكد الخبير الاقتصادي د.فالح الزبيدي في حديث لـ”المراقب العراقي” أن “دخول أعداد كبيرة من الموظفين إلى السوق لن يؤدي بالضرورة إلى تنشيط الاقتصاد، بل قد يزيد المعروض من العمالة في قطاعات تعاني أصلا ضعف الطلب، ما يضغط على دخول أصحاب سيارات الأجرة وأصحاب المحال والمشروعات الصغيرة والمهن الحرة”.
وبين الزبيدي أن “معالجة الترهل الوظيفي ضرورة قصوى تتطلب إصلاحاً إدارياً واقتصاديا متكاملا، يبدأ بإعادة توزيع الموظفين وفق حاجة مؤسسات الدولة، ورفع الإنتاجية، وتشجيع الانتقال التدريجي إلى القطاع الخاص، بالتزامن مع توفير بيئة استثمارية قادرة على خلق وظائف جديدة.”
كما شدد على أن “الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تكون لتشريع قوانين تدعم الصناعة والزراعة والتجارة والاستثمار، وتعيد تفعيل دور المصارف في تمويل المشاريع الإنتاجية، بدلا من معالجات ترقيعية لن تُجدي نفعاً على اقتصاد البلد “.
ولفت إلى أن “أي قانون يمنح الموظف إجازة طويلة مع استمرار صرف جزء من راتبه يجب أن يخضع قبل إقراره إلى دراسة دقيقة للكلفة المالية وعدد المستفيدين وتأثيره في سوق العمل والموازنة والقطاع الخاص، حتى لا يتحول من أداة لتنظيم سوق العمل إلى التزام مالي دائم على الدولة.”
وتبرز أهمية إخضاع هذا المقترح الى دراسة معمقة من قبل مختصين لضمان عدم تحوله إلى باب جديد للإنفاق الحكومي أو وسيلة لزيادة الضغط على القطاع الخاص.



