حين يتحول اغتيال القادة إلى قوة سياسية

بقلم: حسان شعبان..
في أحد اللقاءات السياسية التي جمعت الشهيد المرشد الإيراني علي خامنئي برئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري، لم يبدأ الرجل حديثه بالسياسة ولا بالاستراتيجيات. بدلاً من ذلك استعاد مشهداً من رواية أحدب نوتردام لفيكتور هوغو.
قال إنّ لبنان يشبه إزميرالدا، تلك المرأة الجميلة التي تتنازعها القوى المختلفة، وكلّ طرف يدّعي حمايتها بينما يسعى في الحقيقة إلى امتلاكها. ثم قال: “إنّ سلاح المقاومة يشبه خنجر إزميرالدا، الأداة الصغيرة التي كانت تحملها لتدافع بها عن نفسها في وجه من أراد إيذاءها”.
قد تبدو هذه الحكاية مجرّد استعارة أدبية في حديث سياسي. لكنها تكشف جانباً أعمق في المخيال السياسي في هذه المنطقة. فالدفاع عن الكرامة لا يُقاس هنا دائماً بميزان القوة وحده، إنما بمعانٍ رمزية تشكّلت عبر قرون من الأساطير والوقائع التاريخية، من أسطورة آرش في التراث الفارسي، إلى واقعة كربلاء في الذاكرة الشيعية، حيث يتحوّل الموت في سبيل المبدأ من نهاية فردية إلى بداية سردية جماعية. في هذا السياق، لا يعود موت القادة مجرّد حدث عسكري أو سياسي، يتحوّل إلى لحظة تعبئة تعيد تشكيل وعي المجتمع بذاته وبصراعه.
حين وقع اغتيال المرشد علي خامنئي في خضمّ الحرب الأخيرة، رآه العالم ضربة عسكرية أنهت حياة قائد سياسي. لكنّ الإيرانيين نظروا إليه كقصة شهادة، كقائد ضحّى بذاته من أجل رفعة الأمة.
فالتقارير التي أعقبت اغتياله أشارت إلى أنّ السيد خامنئي بقي في مقرّه في طهران رغم التهديدات المتزايدة باغتياله، ولم ينتقل إلى مخبأ بعيد كما يفعل أيّ قائد في ظروف مماثلة. وفي الوقت نفسه أظهرت المؤشّرات أنه كان قد أعدّ بالفعل سيناريوهات لخلافته إذا ما استشهد.
فبقاؤه في موقعه، وتحضيره لمن سيأتي بعده، وخطابه المتكرّر عن الشهادة، تشير إلى أنّ القائد كان يتوقّع موته ولم يتجنّبه. وكأنّه كان يدرك أنّ استشهاده قد يتحوّل إلى لحظة توحيد للشارع الإيراني.
وبهذا الحدث يتجلّى مفهوم “الالتفاف حول العلم” في علم الاجتماع السياسي الذي صاغه عالم السياسة الأميركي جون مولر. يشير هذا المفهوم إلى ظاهرة تتكرّر في بعض المجتمعات حينما تواجه تهديداً خارجياً حاداً، إذ تتراجع الانقسامات السياسية الداخلية، ويزداد الدعم للقيادة أو الدولة بوصفها رمزاً للوحدة الوطنية.
وقد ظهرت ملامح هذه الظاهرة في ردود الفعل داخل إيران بعد اغتيال المرشد. فعلى الرغم من التباينات السياسية العميقة بين التيارين الإصلاحي والأصولي، ظهر قدر لافت من الإجماع حول رأس الدولة ورفض الاغتيال باعتباره استهدافاً للدولة الإيرانية نفسها.
اللافت أنّ هذا التماسك لم يكن مجرّد قراءة داخلية. فقد أشارت تقارير إعلامية غربية إلى أنّ الحرب لم تُحدث الانهيار الداخلي الذي توقّعته بعض التحليلات المبكرة. فرغم الضربات العسكرية التي تعرّضت لها، حافظت إيران على تماسك مؤسساتها وقدرتها على الردّ، وأنّ الصراع نفسه منحها في بعض الملفات نفوذاً تفاوضياً أكبر مما كان متوقّعاً في بداية الحرب.
لكنّ قراءة هذه الظاهرة بوصفها تعبيراً بسيطاً عن الولاء للنظام قد تكون تبسيطاً مفرطاً. فالتاريخ السياسي يظهر أنّ المجتمعات قد تلتفّ حول دولها في أوقات الحرب لأسباب أكثر تعقيداً من مجرّد التأييد السياسي، كالخوف من الفوضى، أو رفض العدوان الخارجي، أو حتى رفض بدائل يُنظر إليها على أنها مرتبطة بقوى خارجية. في مثل هذه الظروف، تتغيّر الأولويات داخل المجتمع. فالخلاف الداخلي يصبح ثانوياً في سبيل بقاء الدولة نفسها.
يمكن تفسير هذا التماسك أيضاً من خلال نظرية الهوية الاجتماعية التي طوّرها عالم النفس الاجتماعي هنري تاجفيل، والتي تقول إنّ الأفراد يميلون إلى تعزيز انتمائهم للجماعة عندما تواجه تهديداً خارجياً. فالصدمات الجماعية لا تؤدّي دائماً إلى تفكّك المجتمع؛ بل قد تعزّز الشعور بالانتماء المشترك وتدفع التيارات المختلفة إلى الاصطفاف خلف الرموز التي تمثّل الدولة. الاغتيالات السياسية قد تُضعف الدول أحياناً، لكنها في مجتمعات تقوم على سرديات الشهادة قد تنتج أثراً معاكساً تماماً. فالموت عندها يتحوّل إلى رمز تعبئة يعيد إنتاج المعنى الذي يمنحه المجتمع للصراع.
وفي حالات اغتيال القادة، يتداخل هذا التماسك مع ما يسمّيه بعض الباحثين في علم الاجتماع السياسي بالشهادة السياسية، حيث يتحوّل موت القائد من حدث مأساوي إلى رمز تعبئة. فالقائد الذي يُقتل في سياق صراع وجودي قد يتحوّل إلى شخصية رمزية تعزّز الرواية التي ترى في ردّ العدوان والانتقام دفاعاً عن الأمة وبقائها. ويغدو القائد الشهيد، في المخيال الجمعي، آرش هذا العصر لدى القوميّين، وحسين هذا العصر لدى المتديّنين.
غير أنّ للحرب أثراً آخر لا يقلّ أهمية. فالتجارب التاريخية تشير إلى أنّ التهديد الخارجي يعيد ترتيب موازين القوة داخل الدولة نفسها. حيث تميل المؤسسات الأمنية والعسكرية إلى اكتساب نفوذ أكبر، بينما تتراجع مؤقتاً الأصوات الداعية إلى التسويات السياسية.
وقد أشار عدد من التحليلات الغربية إلى هذه المفارقة بوضوح: فالضربات التي كان يُفترض أن تُضعف النظام الإيراني قد تمنحه في الواقع فرصة لتعزيز تماسكه الداخلي وتقوية الجناح الأكثر تشدّداً داخل مؤسساته.
فالقوة العسكرية قد تغيّر مسار المعارك، لكنها لا تحدّد وحدها قدرة المجتمعات على الاستمرار في الصراع. ما يحدّد ذلك في كثير من الأحيان هو المعنى الذي يمنحه المجتمع للموت والتضحية.
في مثل هذه اللحظات، يصبح موت القادة بداية قصة جديدة، تحوّله من قائد إلى رمز في سردية أوسع عن الشهادة والبقاء.
فالحروب لا تُحسم فقط بما يحدث في ساحات المعارك، بل بما يحدث في ذاكرة المجتمعات. فالقذائف قد تعيد التوازن لحين، لكنّ القصص التي ترويها الأمم عن نفسها هي التي تحدّد في النهاية قدرتها على الاستمرار.
وربما لهذا السبب تعود قصة إزميرالدا إلى الذاكرة. فكما كانت المرأة الجميلة في رواية فيكتور هوغو تتنازعها القوى المختلفة باسم حمايتها، تبدو هذه المنطقة وكأنها تعيش القصة نفسها: أرض تتصارع عليها القوى المتنافسة، وكلّ طرف يزعم أنه جاء لإنقاذها.
لكنّ للتاريخ رواية أخرى، تقول إنّ الأمم التي تؤمن بأنّ التضحية من أجل الكرامة ليست نهاية، نادراً ما تنكسر بسهولة.



