طهارة اللسان في بناء الشخصية المؤمنة

السيد هاشم أمير الهاشمي
يشكل اللسان أحد أخطر أدوات الإنسان في حياته الفردية والاجتماعية، لأنه الوسيلة التي يعبر بها عن أفكاره ومعتقداته، ومن خلاله تتشكل العلاقات بين الناس. ولهذا أولت الشريعة الإسلامية عناية كبيرة بتهذيب اللسان وضبطه، لأن كثيراً من الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية تبدأ بكلمة تقال بغير روية أو بغير حق.
تنطلق إشكالية هذا البحث من ملاحظة ظاهرة منتشرة في المجتمعات المعاصرة، وهي التوسع في الكلام غير المنضبط، سواء في المجالس أو وسائل التواصل أو العلاقات اليومية، الأمر الذي أدى إلى انتشار الغيبة والافتراء والسخرية والإساءة اللفظية.
وهذه الظاهرة تطرح سؤالاً أساسياً: ما هو الدور الذي يؤديه ضبط اللسان في بناء الشخصية المؤمنة، وكيف عالجت النصوص الدينية هذه المسألة، وما الذي تقوله الدراسات الحديثة في علم النفس والاجتماع حول أثر الكلام في تشكيل العلاقات الإنسانية؟
تكمن أهمية هذا الموضوع في أن الأخلاق اللفظية ليست مسألة ثانوية في الدين، بل هي ركن أساسي في منظومة القيم الإسلامية. وقد أكدت الروايات الواردة عن النبي محمد صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام أن صلاح الإنسان يرتبط إلى حد كبير بسلامة لسانه.
وتقوم أطروحة هذا البحث على أن طهارة اللسان تمثل أحد الأسس الجوهرية في بناء الشخصية المؤمنة، لأن ضبط الكلام ينعكس مباشرة على نقاء القلب واستقامة السلوك الاجتماعي، وأن هذا المبدأ الذي أكدته النصوص الدينية ينسجم مع ما توصلت إليه العلوم الإنسانية الحديثة حول أثر اللغة في تشكيل السلوك والعلاقات الاجتماعية.
العرض التحليلي
يبدأ القرآن الكريم بتأكيد أهمية الكلمة في حياة الإنسان، إذ يجعل القول الطيب معياراً من معايير التقوى. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (سورة البقرة: 83).
تدل هذه الآية على أن الخطاب الحسن مع الناس ليس مجرد أدب اجتماعي، بل هو تكليف أخلاقي يدخل في إطار العبادة. فالكلمة التي تخرج من فم الإنسان ليست أمراً عابراً، بل هي فعل أخلاقي يحمل آثاراً نفسية واجتماعية.
وقد أكد رسول الله محمد صلى الله عليه وآله هذه الحقيقة حين قال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»¹.
تكشف هذه الرواية عن مقياس دقيق للإيمان، إذ تجعل سلامة الناس من أذى اللسان جزءاً من تعريف المسلم الحقيقي. فالإنسان قد يؤدي بعض العبادات الظاهرة، لكنه إذا كان يؤذي الآخرين بكلامه فإن إيمانه يبقى ناقصاً.
ومن هنا ركزت تعاليم أهل البيت عليهم السلام على ضرورة مراقبة الكلام قبل صدوره. فقد روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة في رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة في سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة»².
توضح هذه الرواية خطورة الكلمة، لأن الإنسان قد يتلفظ بكلمة يظنها بسيطة لكنها تترك آثاراً بعيدة المدى. وهذا المعنى يشير إلى أن ضبط اللسان يحتاج إلى وعي أخلاقي دائم.
وقد أشار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى العلاقة العميقة بين الكلام والعقل حين قال:
«تكلموا تعرفوا فإن المرء مخبوء تحت لسانه»³.
هذا القول يكشف عن حقيقة نفسية واجتماعية، وهي أن الكلام يعكس حقيقة الإنسان الداخلية. فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي مرآة للشخصية ومؤشر على مستوى الوعي والثقافة والأخلاق.



