من الهدف إلى النتيجة.. سقوط الاستراتيجية قبل أن تبدأ

بقلم: شاهر الشاهر..
تستمر الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران ولكن بأهداف غير واضحة، خصوصاً أن بنك الأهداف قد نفد، وفقاً للتصريحات الصادرة عن الجانبين.
أهداف الحرب كانت واضحة ومحددة بتغيير النظام في إيران، تدمير القدرات الصاروخية، تفكيك حرس الثورة الإيراني، الحصول على اليورانيوم المخصب، تفكيك الباسيج وإدخال المرتزقة، وفرض نظام تابع لـ”إسرائيل” داخل إيران.
استمرار إيران باستهداف الداخل الإسرائيلي والقواعد الأميركية في المنطقة يؤكد قدرتها على الاستمرار في المواجهة، باعتبار أن المهاجمين لطهران أرادوا للصراع معها أن يتحوّل إلى صراع صفري.
انتقال طهران من تكتيك “الإغراق الصاروخي” إلى استخدام “الضربات الدقيقة المؤثرة”، إذ بات الصاروخ الواحد قادراً على إحداث دمار واسع النطاق، كما أن الطائرات الشبحية لم تعد كذلك، بعد أن استطاعت طهران استهدافها بمنظومة دفاع جوي جرى تطويرها بعد حرب الـ12 يوماً.
بقاء النظام يعني فشل الهدف السياسي الأعلى للعدوان، واستمرار الضربات الصاروخية الإيرانية يعني فشل التفوق العسكري والتكنولوجي لأميركا و”إسرائيل”، وانهيار بيئة المرتزقة داخل إيران وخارجها يعني فشل الحرب الهجينة لإثارة الفتنة داخل إيران.
حرب بلا سقوف ولا توقعات، ولا أحد يستطيع التنبؤ بسيناريو نهايتها، لكن المؤكد أن المنطقة بعد هذه الحرب لن تكون كما كانت قبلها، كما أن هذه الحرب لن تكون خاتمة الحروب في المنطقة.
بالنتيجة تحوّل مسرح العمليات في المنطقة إلى تهديد عالمي لمرور الطاقة وأمنها. وهنا، تتشكل القاعدة الذهبية التالية حين تفشل أميركا في تحقيق أي هدف استراتيجي فهي لا تخسر المعركة فقط بل تعيد تعريف موقعها في المعركة وفي النظام الدولي.
الفجوة بين الواقع الميداني والرواية الرسمية الإسرائيلية باتت كبيرة، خصوصاً أن الحكومة الصهيونية فرضت رقابة عسكرية صارمة تحد من نشر تفاصيل الخسائر الإسرائيلية.
ترامب وتصريحاته المتناقضة يعكسان حالة الفوضى والاضطراب وحجم الضغوط التي يتعرض لها في الداخل الأميركي، فمن تحدث عن أنه قضى على البرنامج النووي الإيراني قبل ثمانية أشهر عاد ليخوض حرباً جديدة ضد إيران.
الحديث عن قدرة نتنياهو على جر ترامب إلى هذه الحرب بات واضحاً للجميع، ويبدو أن بعض دول المنطقة ستنجر كذلك إلى هذه المواجهة التي لا يمتلكون مقومات خوضها.
استهداف إيران لهذه الدول وضعها في موقف لا تحسد عليه، فالصمت لم يعد مقبولاً، في ظل الاعتداءات الإيرانية عليها، والضغوط الأميركية الواضحة لهذه الدول للمشاركة في الدفاع عن “أمنهم وسيادتهم”.
حرب تموز 2006 التي أريد لها أن تكون “المخاض لولادة شرق أوسط جديد” على حد تعبير كونداليزا رايس، لم تحقق أهدافها، لذا فإن الحرب التي نشهدها اليوم يراد لها أن تشكل هذا المخاض.
مفترق طرق تاريخي تعيشه المنطقة، وفكرة “سقوط إيران” أسوأ من بقائها بالنسبة إلى الدول العربية التي تقرأ المشهد قراءة استراتيجية بعيداً عن حزازات الماضي وتحفظاتها على سياسات إيران تجاه دول المنطقة.
عدم انخراط دول الخليج في الحرب هو عين الحكمة حالياً، فصراع الجانبين حول عروبة الخليج أم فارسيته لم تعد أمراً مطروحاً، فهزيمة طهران ستجعل مستقبل الخليج أميركياً وصهيونياً بكل تأكيد.
الجيوش الأميركية التي احتشدت في المنطقة تشكل أكثر من نصف الجيوش الأميركية المنتشرة في بقاع العالم، ولم تبق أميركا سلاحاً إلا واستخدمته، باستثناء السلاح النووي الذي لن تتردد في استخدامه كما فعلت في الماضي.
تصريحات السفير الأميركي لدى الكيان قبل أيام من بدء الحرب عما سمّاه بـ”الحق التوراتي” لـ”إسرائيل” بكامل السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، لم تستثنِ الدول العربية من الاستهداف.
حديث نتنياهو عن التحالف السداسي في المنطقة والذي يستهدف المحورين “الشيعي” و”السني” على حد تعبيره، يجعل من السذاجة والغباء استمرار الحديث عن “صراع سني- شيعي” في المنطقة.
المطلوب أن تكون “إسرائيل” سيدة المنطقة، ويرى نتنياهو في إيران أكبر خطر وجودي يهدد بقاء الكيان الإسرائيلي، لذا لا بد من إضعافها.
تركيا بدأت تستشعر الخطر، وأدركت أن هزيمة إيران تعني انتقال “إسرائيل” إلى المواجهة معها، قد لا تكون هذه المواجهة مباشرة ومفتوحة، لكنها موجودة في سوريا على سبيل المثال.
الشرق الأوسط على مفترق طرق جميعها تؤدي إلى الجحيم، والمنطقة تتجه إلى مرحلة خطيرة جداً وغير قابلة للعكس، وما زلنا نتعامل مع مشاهدها كجمهور كرة قدم غبي.
الهجوم على حقل الغاز المشترك بين إيران وقطر لم يكن ضربة تكتيكية بل كارثة جيواقتصادية مركبة، لأن حقل “بارس” هو أكبر حقل غاز في العالم، وهو ركيزة أساسية لاقتصاد كثير من الدول، (ألمانيا تستورد 40% من احتياجاتها من الغاز من حقل بارس، وكذلك اليابان وكوريا الجنوبية أكبر مستوردين للغاز من حقل بارس، كما تعتمد الهند على الغاز المستورد من هذا الحقل …إلخ) وهذا ما يسمى بالمفارقة الاستراتيجية القاتلة، فالضربة التي استهدفت إيران أصابت العمود الفقري للطاقة التي يعتمد عليها حلفاء أميركا، ورفعت الأسعار عليهم بما يقارب 80%، أي أن واشنطن أحرقت شريان طاقة أوروبا بيدها، فحولت ضربة حقل “بارس” حلفاء أميركا إلى ضحايا لها، وهو الغباء بعينه.
قصف “إسرائيل” حقل “بارس” الإيراني للغاز، ردت عليه طهران بقصف منشأة رأس لفان القطرية، ما دفع بأسعار النفط والغاز نحو الصعود، ورسم شكلاً جديداً من أشكال التصعيد المنتظر، في ظل حرص كلا الطرفين على صياغة قواعد اشتباك جديدة.
الحرب بأهدافها، وكانت الولايات المتحدة و”إسرائيل” قد وضعت هدف إسقاط النظام في إيران على رأس أولوياتهما، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
استحضار المارينز الأميركي من جوار اليابان لاحتلال جزيرة خرج الإيرانية ترافق مع تقارير أميركية تتحدث عن أن الصين لن تغزو تايوان في عام 2026، وهو ما يعكس كذب وزيف التقارير الأميركية السابقة التي تحدثت عن حتمية غزو الصين لتايوان.
الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة هو أول معيار لقياس نتائج الحروب “انتصاراً أو هزيمة”. مع الإشارة إلى أن فكرة النصر والهزيمة بمعناها التقليدي لا تنطبق على هذا النوع من الحروب غير المتماثلة، حيث تتقاطع قدرات عسكرية تقليدية ومحسوبة (أميركية وإسرائيلية)، مع استراتيجيات صبر طويلة المدى وسياسات إيرانية بالغة التعقيد.
الحرب اليوم ليس هدفها إسقاط النظام في إيران فقط، بل وضع نهاية للشرق الأوسط الذي نعرفه. فواشنطن تريد السيطرة على شرايين العالم (هرمز وباب المندب وقناة السويس)، وصولاً ربما إلى البوسفور وجبل طارق، ضمن سعيها الدؤوب إلى “خنق الصين”.
مضيق هرمز لم يغلق فقط بل أعيد تعريفه، فإيران أعادت هندسة شروط الملاحة فيه وفقاً لمعاييرها، حيث يجري الآن تسجيل السفن وفق نظام إيراني يتمثل بفرض رسوم عبور 2 مليون دولار لكل ناقلة تعبر المضيق، وتحويل المسارات من المياه الدولية إلى المياه الإقليمية الإيرانية، والسماح بتمرير السفن المعتمدة فقط، أي ما يسمى بنقل السيادة من القانون الدولي إلى التحكم الإيراني الميداني.
السيطرة على المضيق لم تعد لمن يمتلك الأساطيل البحرية، بل لمن يحدد قواعد العبور ويتحكم بها، وبذلك تحوّل مضيق هرمز من ممر دولي إلى منصة سيادية إيرانية، وهو ما يعني بداية “هزيمة استراتيجية لأميركا”، انطلاقاً من فكرة أن “الحرب أدت إلى عكس نتائجها”.
على الرغم من أن هذه التطورات تشير إلى تصعيد يصعب كبحه، تظل تقديرات “نقطة اللاعودة” مرتبطة بصورة رئيسية بمدى قدرة الأطراف الدولية الفاعلة على التدخل لفرض تسوية سياسية أو عسكرية مماثلة لتلك التي تمت في صراعات سابقة. مثل: وقف إطلاق النار في يونيو 2025 الذي تم بوساطة دولية وتحت حماية آليات مراقبة. غير أن الكثافة العالية للعمليات الحالية وتعدد ساحة الصراع وتداخل الجهات الفاعلة المحلية والإقليمية تجعل استعادة المسار الدبلوماسي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.



