مغامرة ترامب ضد إيران.. البداية والنهاية

بقلم: علي فواز..
في ذروة الحرب النفسية والتحشيد العسكري الأمريكي غير المسبوق الذي سبق الحرب، كان لا يزال بمتناول دونالد ترامب خيار رابح – رابح ومروحة من المخارج التي تؤمّن له هبوطاً آمناً، يتيح تسييله إلى إنجاز وسط جمهوره.
اتفاق يمكّن ملك الاستعراض أن يدّعي أنه أفضل بكثير من الاتفاق الذي أبرمه باراك أوباما عام 2015. فوق ذلك، جرى إغراؤه باستثمارات أمريكية في إيران. بمسرحياته المعروفة، كان يمكن له أن يدّعي أنه أنجز اتفاقاً تحت الضغط وبفعل التهديد العسكري الذي أعطى نتيجة.
كل ذلك بات من الماضي. أصبح صاحب شعار “أميركا أولاً” خاسراً بكل الأحوال كما يتوعده الإيرانيون، وربما يكتب التأريخ عن أغبى رئيس حكم الولايات المتحدة بفعل هذه الحرب. هذا ما يمكن استنتاجه من تقارير صحافية أميركية.
متاهة الأسئلة المصيرية
الوصول إلى هذه النتيجة مشروط بجملة أمور، وتحدها مجموعة من الاعتبارات التي يتحتّم على إيران التحكّم فيها في ظل صراع إقليمي وعالمي معقّد ومتعدد الجبهات، يبرز فيه أكثر من بعد، ويتداخل فيه أكثر من ملف، ويصعب ضمان عدم انزلاقه نحو سيناريوهات متطرفة وربما إلى حرب عالمية.
هل يقبل ترامب ونتنياهو بالهزيمة في نهاية المطاف؟ أم يدفع نزقهما وسمتهما النفسية إلى خيارات شديدة الخطورة تفادياً لمصير قاتم حتى لو احترق العالم؟
تتراكم الأسئلة التي بات العالم كله وليس المنطقة وحدها يبحث عن إجابات لها. هل ما زالت المستجدات تدعم فرضية الحرب الطويلة أم تبرز مفاجآت وظروف جديدة ترغم الأطراف على تقصير أمدها؟ في هذه الحالة، ما هي هذه الظروف؟
تعكس التسريبات والأخبار المتداولة نقلاً عن مصادر وجود تيه وتضارب. ينمّ عن كلام الأطراف المعنية مباشرة في الصراع أحياناً أنهم هم أنفسهم لا يعرفون متى تنتهي الحرب. فيما تخوض إيران معركة استنزاف تعوّل فيها على عامل الوقت، فإن مؤشرات ترامب في بورصة المواقف لا تستقر على رأي.
من جهة، يعلن أنّ الحرب ضد إيران ستكون رحلة قصيرة الأمد، ويشدّد في المقابل على أنها لن تتوقف حتى إلحاق الهزيمة الكاملة بإيران، مشيراً إلى أن الانتصار على طهران لم يتحقق بعد بشكل كاف. ثم يعود ليقول إن الحرب شارفت على الانتهاء، وأنها حققت معظم أهدافها ولم يعد هناك شيء لضربه، مروّجاً لسحق القدرات العسكرية البحرية والصاروخية والدفاعات الجوية.
يقول تارة “من الممكن أن أتحدث مع إيران” في خطوة لا تنسجم مع تصريحه بأن “إيران دولة مهزومة بشدة وهي على وشك الانهيار”، وبما يخالف تصريحات وزير الحرب في إدارته بيت هيغسيث التي اعتبر فيها الأسبوع الماضي أن المعركة لا تزال في بداياتها.
مواعيد متضاربة
من الجهة الإسرائيلية، اتسمت توضيحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول هذا الأمر بعدم اليقين والتحوّط. يقول حول نهاية الحرب المتوقعة إن “هناك متغيّرات مختلفة نأخذها في الحسبان. والأمر ليس يوماً أو يومين، ولا أستطيع أن أقول لكم بنسبة 100% إن كان سيستغرق شهراً أم أسبوعاً“.
وأضاف: “نحن نعمل حالياً وفق افتراض أن الأمر سيستغرق على الأرجح بضعة أسابيع وليس أياماً. ومع ذلك، أقول بصراحة: لا أعرف بنسبة 100%. نحن نُكمِل المهمة ولا نتوقّف ولو لثانية، مدفوعين إلى الأمام بأقصى سرعة. لا أعرف كم من الوقت سيستغرق ذلك“.
استعدّوا لحرب طويلة
في المقابل، جاءت المواقف الإيرانية حول هذا الأمر حاسمة منذ البداية. أعلن حرس الثورة: “نحن من سيحدد نهاية الحرب”، قبل أن يوضح قائد مقر خاتم الأنبياء أنه “لم يعد بإمكان أمريكا وإسرائيل شن حرب علينا متى شاءتا وإنهاؤها متى شاءتا“.
السيد مجتبى خامنئي أكد في مقابلة مع مراسل CNN في طهران أنه لم يعد هناك مجال للدبلوماسية: “استعدوا لحرب طويلة“.
غوبلز ترامب
من الطبيعي أن تمارس جميع الأطراف الحرب النفسية أثناء الحروب، ولكل طرف استراتيجيته الخاصة في هذا المجال. أسلوب بول يوزف غوبلز وزير الإعلام إبان الحكم النازي كان يقوم على الكذب. تتفق الكثير من التقارير الأميركية على وجود هذه السمة لدى ترامب. العودة إلى التصريحات السابقة وتعقب تأريخها يعطي مؤشرات إلى مدى صحتها، ويصبح الأمر أكثر إلحاحاً مع ادعاءات النجاح والنصر المطلق.
الدعاية تصطدم بالواقع
ادعى الرئيس الأميركي أن بلاده ألحقت الهزيمة بإيران ودمرتها “تدميراً كاملاً عسكرياً واقتصادياً وفي كل المجالات”، قبل أن تتوالى في الليلة نفسها صولات الصواريخ الإيرانية في كل اتجاه وتدك “إسرائيل“.
في اليوم نفسه، اعتبر السيناتور الأميركي كريس ميرفي أن الرئيس الأميركي فقد السيطرة على مسار الحرب، مشيراً إلى أن تقديرات ترامب الخاطئة لقدرة إيران على الرد لم تتوقع إغلاق مضيق هرمز. هذه الأزمة وفق ميرفي تتلازم مع أزمة ثانية، تبرز فيها حرب طائرات مسيرة، معتبراً أن إيران قادرة على استهداف منشآت الطاقة في المنطقة لفترة طويلة بفضل امتلاكها أعداداً كبيرة من المسيّرات المنخفضة التكلفة.



