اراء

إيران.. وعي الجغرافيا ونعمة التأريخ

بقلم: عماد الحطبة..

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وفي كل الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة ضد الشعوب، حصدت فيها الكثير من الأرواح، ودمرت الكثير من البنى التحتية، لكنها في نهاية الأمر خرجت مهزومة، دون تحقيق أي نصر عسكري يذكر. في البحث عن الأسباب أجاب أحد المحللين السياسيين البريطانيين في برنامج حواري، عن سؤال عن سبب ارتفاع عدد ضحايا الجيش الأميركي في العراق مقارنة بضحايا الجيش البريطاني أجاب: “عجرفة الجيش الأميركي التي لا تأخذ الجغرافيا والديموغرافيا بعين الاعتبار، هم يرون أنفسهم ولا يرون الآخرين“.

هذا بالضبط ما يفعله الجيش الأميركي في كل حروبه، يجمع طائراته وجنوده وسفنه ويخرج إلى الحرب معتقداً أن تفوقه بالسلاح كفيل بحسم المعركة لصالحه. منظر يشبه تماماً أبطال هوليود الذين يخرجون إلى مهماتهم بحقائب مملوءة بشتى أنواع الأسلحة، من الصواريخ وحتى الخناجر، لِيُمعِنوا قتلاً في خصومهم دون أن تتمكن أسلحة الخصم من إصابتهم أو ثنيهم عن نصرهم الكرتوني.

في فيتنام، وقفت الأدغال ودرجات الحرارة والبعوض إلى جانب المقاومين لتلحق بالعدو الأميركي هزيمة مذلة، ولتصبح صورة الطائرة المروحية وهي تغادر سطح السفارة الأميركية في سايغون أيقونة ثورية تبرهن على أن الثورة قادرة على هزيمة أعدائها ولو اقتضى ذلك الكثير من الزمن والتضحيات. في العراق وقفت الصحراء إلى جانب المقاومين الذين دحروا أميركا وحلفاءها عن أرض العراق، وفي جنوب لبنان وقفت الجغرافيا الجبلية إلى جانب رجال الله في مواجهتهم للعدو الصهيوني.

الجغرافيا ليست مساحات من الأرض فقط، بل علاقات تربط السكان بهذه الأرض، وتربطهم بجيرانهم، من أبناء جلدتهم أو شركائهم في العقيدة، لذلك كان من الطبيعي أن تجد فيتنام الدعم من الاتحاد السوفياتي والصين شريكيها في العقيدة الاشتراكية، وأن تجد المقاومة في غزّة الدعم من حزب الله وأنصار الله شريكيها في العروبة، ومن إيران شريكتها في العقيدة الإسلامية المقاومة. وبالمقابل فإن انخراط المقاومة الإسلامية في لبنان والعراق، وأنصار الله باليمن في دعم إيران عند تعرضها لعدوان غاشم كما يحدث اليوم، يُعد في نفس سياق رد الفعل الطبيعي.

هذا الوعي بالجغرافيا لا يقتصر على حالة الحرب، بل يمتد إلى حالة السلم، فعندما تحاول أن تصنع السلم مع مغتصب أرضك، كما هي حال اتفاقيات السلام مع العدو الصهيوني، فسوف تجد مقاومة من الشعوب التي ترى في هذا السلام اعتداءً على الجغرافيا أولاً وعلى المبادئ ثانيا. من هذا الوعي انطلقت إيران في دعمها للمقاومة، فالمحتل مهما طال بقاؤه مصيره الاندحار، والموقع الحقيقي لشركاء الجغرافيا هو إلى جانب الشعوب لا إلى جانب المحتلين وأعوانهم.

لقد عبرت إيران عن هذا الوعي بالجغرافيا عندما وضعت شرطاً لوقف إطلاق النار بأن يصبح أمن الخليج بما فيه مضيق هرمز، مسؤولية دول الخليج مجتمعة، هذا الشرط يعبر عن فهم عميق بأن الأمن الحقيقي لن يتحقق إلا بتعاون الدول المطلة على الخليج والمضيق، وأن العمل المشترك بين هذه الدول وبشكل خاص إيران والسعودية بصفتهما الدولتان الأكبر جغرافياً وقوة، كفيل بتحقيق الانسياب الطبيعي والأمن للتجارة التي تمر عبر مضيق هرمز، أما وجود القواعد والبوارج الأجنبية فلن يجلب سوى الاضطراب والأزمات وانعدام الأمن.

لقد أسهمت هذه الحرب بتبديد ضباب الخلاف الذي حاول البعض إرخاءه على العلاقات التأريخية التي تربط شعوب المنطقة بعضها ببعض. إن أصوات التهليل والتكبير التي تنطلق من أسطح المنازل أثناء مراقبة الصواريخ الإيرانية وهي تدك حصون العدو الصهيوني، تمتد من فلسطين إلى الأردن، إلى العراق، وعبارات الافتخار بضرب قواعد الاستعمار في بلادنا تملأ الفضاء الإلكتروني قادمة من كل بلد عربي. هذه هي النعمة التأريخية التي تجمع أهل هذه البقعة من العالم، فهم يتشاركون الأمل والطموحات بالمستقبل، كما يتشاركون صفحات تأريخهم وعقيدتهم، وعداءهم التأريخي للمحتلين الذين غزوا هذه الأرض منذ الحروب الصليبية وحتى اليوم.

ما لم يدركه الأميركيون قبل الشروع في حربهم، هو تأريخية مفهوم الشهادة في المنطقة. هذا المفهوم خليط من العقيدتين الدينية والوطنية. ويأخذ هذا المفهوم بعداً إضافياً في إيران، إذ إن الثورة الإيرانية التي أسست الجمهورية الجديدة قامت في عمقها على عقيدة الشهادة الحسينية، وفي سلوكها المدني على الاستقلال والكرامة الوطنية كبديل لنظام عميل للغرب مستسلم للاستعمار. غياب الإدراك هذا أقنع الولايات المتحدة أن اغتيال القيادة الإيرانية، وارتكاب المجازر، كما فعلت في مدرسة الشجرة الطيبة في ميناب، كفيلان بتركيع الجيش والشعب الإيرانيين.

لم يأتِ حساب البيدر الإيراني مؤاتياً لحساب الحقل الأميركي، فالجيش الإيراني رد على العدوان بقوة ودقة أذهلا العدو وأربكا حساباته، والشعب الإيراني خرج إلى الشوارع متحدياً الغطرسة الأميركية وغاراتها. حالة التخبط التي تعكسها التصريحات الأميركية، وخاصة ما يصدر عن الرئيس ترامب، تعكس تفوق التأريخ والجغرافيا الإيرانيين على العنجهية الأميركية.

هذا الدرس الذي تقدمه إيران وحزب الله والمقاومة الإسلامية في العراق ليس مقتصراً على العدو، بل هو درس لشعوب العالم أجمع من أن الإرادة الوطنية المقترنة بالعقيدة قادرة على هزيمة العدو مهما كان غاشماً ومجرماً، درس تعلمناه من فيتنام، وغزّة، وجنوب لبنان، وها هي إيران تؤكده. النصر دائماً لأصحاب الجغرافيا والتأريخ، إن هم آمنوا بأنفسهم وبما تمنحه لهم هذه الأرض.  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى