اراء

إيران.. دفاع فسيفسائي فعال مُصمم للصمود وإنهاك العدو

بقلم: مازن النجار..

عرضنا سابقاً كيف يُوزّع الدفاع “الفسيفسائي” الإيراني القوة العسكرية لمنع أي انهيار وإجبار الخصوم على خوض حرب طويلة الأمد ومكلفة.

المبدأ الأساسي الفسيفسائي المتكامل: الرد ليس مجرد “ضربة انتقامية” واحدة، بل قدرة مستمرة، ويمكن إعادة تطبيقها على أهداف ومواقع أخرى. وهذا مفتاح فهم قدرة إيران على الصمود والبقاء وإنهاك العدو واستنزافه.

أصداء تأريخية.. فيتنام وأفغانستان

نوّه مسؤولون إيرانيون بأن عقيدة الدفاع الفسيفسائية تستند إلى دراسات تأريخية. وصرح وزير الخارجية الدكتور عباس عراقجي وقادة عسكريون إيرانيون آخرون علناً بأن المخططين الإيرانيين درسوا بعناية الحروب الأميركية السابقة، وخاصة صراعات أخفقت فيها قوى متفوقة تقنياً في تحقيق نتائج حاسمة. وساهمت هذه التجارب التاريخية بتطوير عقيدة الدفاع الفسيفسائية الإيرانية.

النموذج الفيتنامي ومنطق الانتشار

لا يبدأ التشابه البنيوي مع فيتنام بالأيديولوجيا، بل بالتنظيم. فقد أنشأت تشكيلات الفيت منه، ولاحقًا الفيت كونغ، شبكة سياسية عسكرية لامركزية متجذرة في التضاريس والمجتمع. وعملت القيادات الإقليمية باستقلالية. تدفقت الإمدادات اللوجستية عبر ممرات متفرقة مثل ممر هو تشي منه. ومكّنت منظومات الأنفاق القوات من الصمود أمام القصف المتواصل.

أدرك المخططون الأميركيون هذه الصعوبة. ففي مذكرة بتأريخ 14 تشرين الأول 1966، وجّهها وزير الدفاع روبرت ماكنمارا إلى الرئيس ليندون جونسون، حذّر قائلاً: “لم ننجح في وقف التسلل.. ولم نتمكن من تحطيم إرادة القتال لدى العدو”. وأقرت وثائق البنتاغون مرارا وتكراراً بالصعوبة البنيوية لهزيمة تشكيلات الخصوم اللامركزية. وخلص أحد التقييمات الداخلية إلى ما يلي: “الصراع في فيتنام سياسي في جوهره… والضغط العسكري وحده لا يضمن النصر“.

نموذج طالبان.. إنهاك القوة العظمى

في أفغانستان، تبنت طالبان منطقاً بنيوياً مشابهاً. فبعد انهيار حكمها أواخر عام 2001، تشظت طالبان إلى خلايا متمردة محلية. وانتشرت قياداتها عبر الحدود.

وأُعيد بناء شبكات حكمها -في الظل- بالمحافظات الريفية. تألفت بنية طالبان من قادة ميدانيين لامركزيين، وتحالفات قبلية مرنة، وشبكات حكم في الظل، وملاذات آمنة عبر الحدود. ورغم التفوق التكنولوجي الأميركي، حافظت طالبان على استمراريتها بتجنب المعارك الحاسمة، وإعادة تنظيم صفوفها بعد الخسائر، واستغلال التضاريس والوقت.

لاحظ تقييمٌ أجراه الجنرال الأميركي ستانلي مكريستال عام 2009 أن: “التمرد صامد.. فهو يحتفظ بالمبادرة، بل يزداد قوةً”. سيطرت الولايات المتحدة على الأجواء والمدن والطرق الرئيسة. وسيطرت طالبان على الوقت. فمن خلال تجنب المواجهات الحاسمة وإعادة تنظيم صفوفهم بعد الخسائر، حوّلوا الهزيمة التقليدية إلى صراع سياسي طويل الأمد. ولم يكن الانسحاب الأميركي في آب 2021 نتيجة لانهيار ميداني، بل نتيجة الإنهاك الاستراتيجي.

التكيف الإيراني.. تمرد دولة

يبقى التمييز بينهما جوهرياً. كان الفيت كونغ وطالبان حركتين متمردتين تقاومان الاحتلال، بينما إيران دولة ذات سيادة تواجه حملات عسكرية. ومع ذلك، فإن التقارب البنيوي واضح. فالخلايا اللامركزية تُقابلها قيادات حرس الثورة بالمحافظات، واللوجستيات الموزعة يقابلها نشر الصواريخ المحصنة، واستغلال التضاريس تقابله المناطق الجبلية الداخلية بإيران، والملاذات الخارجية تُقابلها شبكة إقليمية من الوكلاء. وتتحول استراتيجية الحرب الطويلة إلى ردع قائم على الاستنزاف.

مع ذلك، إيران ليست فيتنام ولا أفغانستان. فهي تمتلك قوات صواريخ بعيدة المدى قادرة على ضرب أهداف إقليمية، وأنظمة دفاع جوي متكاملة، وقاعدة عسكرية صناعية رسمية، واقتصاد دولة قادر -تحت الضغط- على دعم التعبئة. ولذلك، قدرتها على الردع أكثر تنوعاً من الناحية التكنولوجية مقارنةً بنماذج التمرد. وفي الوقت نفسه، فهي أكثر عُرضة لضغوط اقتصادية واضطرابات سيبرانية مقارنة بحركات التمرد الريفية المتجذرة بمجتمعات الكفاف. يجب على الدولة “الموزاييك” الحفاظ على تماسكها في ظل العقوبات والضغوط السياسية.

الآثار الاستراتيجية

بحسب ميرشايمر وغرينييه، أثبتت فيتنام وأفغانستان أن الطرف الذي ينجو من الصدمة الأولى هو من يحدد المسار السياسي للحرب. ففي فيتنام، تحول البقاء إلى قوة سياسية دافعة. وفي أفغانستان، تحول الصمود إلى استعادة السلطة بنهاية المطاف.

تسعى العقيدة الإيرانية إلى ضمان تحول أي صراع من صراع حاسم إلى صراع مطول، ومن صراع عسكري إلى صراع سياسي، ومن صراع استئصالي إلى صراع استنزاف.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة و “إسرائيل”، اللتين تُركز ثقافتهما الاستراتيجية على حملات سريعة عالية الكثافة، يُشكل هذا معضلة بنيوية. فكلما طالت الحرب، زادت المتغيرات المؤثرة: الأسواق العالمية، والتصعيد الإقليمي، والسياسة الداخلية، وتماسك التحالفات. وقد بدأت هذه المتغيرات تؤثر في هذا الصراع.

إن بنية الدفاع الفسيفسائي الإيرانية ليست مُصممة للغزو، بل للتعقيد والصمود.

السؤال الجوهري

يُشير التحليل التأريخي إلى تساؤل أعمق: هل تستطيع الجيوش المُتقدمة تقنياً تحقيق نتائج حاسمة ضد خصم يرفض التمركز والمركزية؟ لقد أثبتت فيتنام وأفغانستان عدم إمكانية ذلك. وتراهن إيران على أن الإجابة ستظل بالنفي.

يعتمد نجاح هذا الرهان على متغيرات لا تسيطر عليها طهران ولا واشنطن ولا “تل أبيب” سيطرة كاملة: ديناميات التصعيد، والتحالفات الإقليمية، والمرونة الاقتصادية، والإرادة السياسية. لكن بنيوياً، استوعبت إيران الدرس الأساس من حروب أميركا بالقرنين الحالي والماضي: إن أخطر عدو ليس من ينتصر في المعركة الأولى، بل من ينجو منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى