اراء

الجبهة الداخلية الإسرائيلية في الحرب الحالية ورهانات الصمود

بقلم: محمد هلسة..

مع اشتداد المواجهة العسكرية مع إيران، واضطرار “إسرائيل”، بالتوازي، للتعامل مع حزب الله في جبهة شمال فلسطين المحتلة، وربما مع جبهة اليمن في حال انخرط أنصار الله في المواجهة، يتجدد الجدل في “إسرائيل” حول إمكان الحكومة الإسرائيلية التعويل على صمود الجبهة الداخلية في مواجهة الأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية وتعطل التعليم، إضافة إلى الإضرار بالاستمرارية الوظيفية للاقتصاد، خاصةً وأن قدرة الجبهة الداخلية على التعامل مع التحديات الحالية لها تأثير حاسم بنتائج المعركة في ظل مواجهة عسكرية قد تطول.

وربما من هنا يمكن أن نفهم تصريح عضو الكنيست الإسرائيلي من حزب الليكود، تالي غوتليب للقناة 7 العبرية، قبل يومين، حيث أبدت امتعاضها من بعض الأسئلة التي تُطرح في “إسرائيل” خلال الحرب والتي أسمتها “أصواتاً انهزامية” تسأل: لماذا؟ وكم؟ وكيف نخرج من الحرب؟، مضيفةً، أن “هناك بيننا مجموعة أسميهم مساعدي العدو، وعليهم أن يصمتوا”.

ومن حيث المبدأ، تتأثر مقدرة الجبهة الداخلية الإسرائيلية ومرونتها بعدد كبير من العوامل التي سبقت الإشارة إليها، لكن نتنياهو يعوّل في هذه الحرب تحديداً، على ثلاثة عوامل لضمان دعم الجبهة الداخلية وصمودها في مواجهة الأثمان التي تتكبدها “إسرائيل” في المواجهة الدائرة اليوم مع إيران وحزب الله.

أول هذه العوامل هو، أن المفاهيم الإسرائيلية القديمة التي كانت تقول، إن المجتمع الإسرائيلي لا يحتمل الحرب الطويلة ويميل بطبعه إلى تفضيل الجولات القصيرة الخاطفة على الحرب الطويلة، قد تغيرت، وباتت مقدرة الجمهور الإسرائيلي على الصمود في حرب طويلة يسقط فيها الكثير من القتلى في ساحة المواجهة وفي الجبهة الداخلية، أكبر.

وثانيها، أن نتنياهو استطاع خلال سنوات قيادته الطويلة للمجتمع الإسرائيلي، كرئيس للوزراء، أن يزرع في وعي الإسرائيليين الجمعي، أن إيران وبدرجة أقل حزب الله، هما تهديد وجودي للدولة وأنه يجب أن تذهب “إسرائيل” في هذه الحرب حتى نهايتها لتحقيق الهدف النهائي الذي وضعه نتنياهو وهو القضاء على النظام وإزالة تهديد السلاح النووي والصواريخ البالستية الإيرانية ونزع سلاح حزب الله، مهما كلف ذلك من ثمن. ولذلك، عبّرت استطلاعات الرأي العام الإسرائيلي عن دعمٍ شبه كامل لهذه الحرب، وهو ما تبدّى كذلك في سلوك قادة المعارضة الذين منحوا دعمهم الكامل لنتنياهو في هذه الحرب.

أما العامل الثالث، فمرتبط بما سوّق له نتنياهو من أن “إسرائيل” تُلحق الأذى الكبير بأعدائها وبأنها دمرت أغلب أصولهم العسكرية والأمنية وهي، أي “إسرائيل”، تسير في طريق تحقيق الأهداف بسرعة كبيرة، وأن مقدرة إيران والحزب على إطلاق الصواريخ تتقلص بشكل متسارع، وأن، إيران تحديداً، فقدت الكثير من بطاريات إطلاق الصواريخ البالستية، وأن المسألة هي “صبر ساعة” حتى تُحقق “إسرائيل” أهدافها، بحيث ينعم بعدها الإسرائيليون بالأمن لفترة طويلة.

من حيث المبدأ، لا يعتمد طول فترة القتال على مقدرة الخطوط الأمامية على الصمود في أيام المواجهة فحسب، بل على حالة الجبهة الداخلية وتماسكها أيضاً في ظل اضطرابات التعليم والتنقل، وإغلاق المرافق الاقتصادية، وغيرها من القيود التي تؤدي إلى نفاد صبر الجمهور الإسرائيلي الذي يميل إلى “الفعل السريع والحلول الحادة التي تُقلل من حدة الأذى”، ويكره القتال “منخفض الكثافة الذي يستمر لمدة طويلة”.

ورغم أن القيادة الإسرائيلية تُكابر في الحديث عن صمود الجبهة الداخلية، فإنها لا تتعامل مع هذا الوضع كأمرٍ مُسلمٍ به، وهي تدرك أن الجمهور الإسرائيلي بحاجة إلى الإقناع، فكلما استمرت المواجهة تعالت الشكوك والأسئلة في الخطاب العام الداخلي والمفتوح، وخصوصاً أن السيطرة على المعلومات وصورة الحرب لم تعد حصراً بيد “الدولة” وحدها في ظل ثورة المعلومات وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي.

فإذا ما استمرت الحرب لفترة طويلة فإن هذا قد يخلق تحديات إضافية، خاصة أن الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات التكنولوجيا والسياحة والاستثمارات الأجنبية، وهي قطاعات تتأثر بسرعة بعدم الاستقرار الأمني. ولهذا، فإن قدرة المجتمع الإسرائيلي على التكيّف مع ظروف الحرب الحالية، إن طالت، ستكون أحد العوامل الحاسمة في تحديد مسارها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى