اراء

حرب أعدت لها إيران.. الدفاع الفسيفسائي ومنطق المقاومة المديدة

بقلم: مازن النجار..

يُوزّع الدفاع “الفسيفسائي” الإيراني، القوة العسكرية لمنع أي انهيار وإجبار الخصوم على خوض حرب طويلة الأمد ومكلفة. المبدأ الأساسي الفسيفسائي المتكامل: الرد ليس مجرد “ضربة انتقامية” واحدة، بل قدرة مستمرة، ويمكن إعادة تطبيقها على أهداف ومواقع أخرى.

في ثاني أيام الحرب العدوانية، قال الدكتور عباس عراقتشي، وزير خارجية إيران: “يُمكّننا نظام الدفاع الفسيفسائي اللامركزي من تحديد متى وكيف ستنتهي الحرب”. عندما أطّر وزير الخارجية عقيدة بلاده بهذه المصطلحات، لم يكن يُشير لهيمنة على ساحة المعركة، بل أشار للسيطرة الاستراتيجية. ويعكس هذا التصريح منطقا أعمق، فنتيجة الحرب الحديثة لا تعتمد على البادئ بالهجوم، بل على من يحتفظ بقدرات منظمة بعد الصدمة الأولية.

مؤخرا، أشار معلقون وخبراء العلاقات الدولية، منهم جون ميرشايمر وبول غرينييه، إلى عقيدة الدفاع الفسيفسائي بإيران، باعتبارها أساسية لفهم هذا الموقف الاستراتيجي. ورغم اختلاف وجهات نظرهم التحليلية، فإنهم يتفقون عموماً على النتيجة ذاتها: البنية العسكرية الإيرانية مصممة لمنع الإكراه السريع أو الإخضاع وتفرض ضغطاً مديداً على أي عدو يفكر بالتصعيد.

نموذج الصدمة والترويع

عندما تخوض القوة الأمريكية حرباً، فإنها تفضل السرعة. فمنذ غزو بنما عام 1989، مرورًا بالحملة الجوية الافتتاحية لحرب الخليج عام 1991، والأسابيع الأولى من غزو العراق عام 2003، كان النموذج العملياتي ثابتًا: سيطرة جوية سريعة، وشلل في القيادة والسيطرة، واستئصال القيادات، وانهيار المقاومة المنظمة. يفترض هذا النموذج أن القوة المركزة الموجهة ضد الأنظمة المركزية تُحقق نتائج حاسمة قبل تراكم الاحتكاكات السياسية.

بحسب ميرشايمر وغرينييه، صُممت العقيدة الدفاعية الإيرانية خصيصا لكسر هذا النموذج الأمريكي. فما يصفه المخططون الإيرانيون بـ”دفاع موزاييكي” أو فسيفسائي، ليس مجرد موقف تكتيكي، إنه بنية بقاء دفاعية قائمة على فرضية واحدة: ضرورة منع الولايات المتحدة و”إسرائيل” من خوض حرب خاطفة. لماذا؟ لأن موازين القوى تتغير في الصراعات المُطوّلة، وتتفاقم مخاطر التصعيد الإقليمي، ويزداد الاضطراب الاقتصادي، وتبدأ تكاليف العدوان المستدام السياسية تتجاوز فوائد الإكراه السريع.

فسيفساء داخلية.. لا مركزية المركز

يشكل الحرس الثوري قلب هذه البنية. نظام القيادة الإقليمية، الذي أُنشئ خلال هذه الإصلاحات، يُوزّع السلطة العسكرية على 31 محافظة ومنطقة العاصمة طهران (32 وحدة إقليمية)، مُنشئا شبكة قيادات إقليمية شبه مستقلة، يمكنها العمل حتى في ظل ضعف الاتصالات. فعليا، يُجزّئ هذا الهيكل وظائف الدولة العسكرية لمراكز عمليات محلية، لضمان ألا يسبب فقدان القيادة المركزية وتعطيلها شللا شاملا.

ارتش.. طبقة الدفاع الخارجية للفسيفساء الداخلية

إلى جانب الحرس الثوري وقوات الباسيج، يلعب الجيش الإيراني النظامي (ارتش جمهوري إسلامي إيران) دوراً مكملاً ضمن منظومة الفسيفساء. فبينما يركز الحرس على الحرب غير المتكافئة، وقوات الصواريخ، والدفاع عن المحافظات، يُشكل الجيش العمود الفقري للقدرات العسكرية التقليدية، بما فيها التشكيلات المدرعة، ووحدات الدفاع الجوي، والقوات البحرية الحامية لحدود إيران وبنيتها التحتية الحيوية.

بنية الصواريخ الموزّعة

تتبع القوات الصاروخية المنطق نفسه. فأصول ووسائل الإطلاق مُحصّنة، وموزعة جغرافيًا، وأحيانا متنقلة. والهدف ليس المنعة التامة، بل قدرة الرد بفعالية. فبعد ساعات من هجمات الولايات المتحدة و”إسرائيل” الأولى صباح 28 شباط 2026، تمكنت إيران من شنّ هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة ردا على الهجمات، مستهدفةً مواقع بإسرائيل وقواعد عسكرية أمريكية بالمنطقة.

دفاع جوي متعدد الطبقات.. استراتيجية التعقيد

أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات، ومنها نظام بافار-373 إيراني الصنع ونظام أس-300 روسي الصنع، تؤدي وظيفة مختلفة ضمن هذه الاستراتيجية. فبدل تمكين الاقتصاص، صُممت هذه الأنظمة لتعقيد قدرة المهاجم على العمل بحرية بمجال إيران الجوي. وتتوزع هذه الأنظمة في طبقات متباعدة ومتداخلة، لاستنزاف الخصم، وقمع قوى العدو، وحماية البنية التحتية الحيوية، كمراكز القيادة والقواعد الجوية ومنشآت الصواريخ.

في الواقع، يرتكز نظام الدفاع الفسيفسائي الإيراني على بنية ثلاثية المستويات:

– تحرس قوات الجيش الإيراني الحدود بقوات تقليدية.

– يشكل الحرس الثوري الإيراني العمود الفقري العملياتي الذي ينسق الدفاع الإقليمي اللامركزي.

– بينما تعمل قوات الباسيج، المندمجة ضمن هيكل قيادة الحرس الثوري، على بسط التعبئة والمقاومة داخل المجتمع نفسه.

الفسيفساء الخارجية.. توسيع نطاق المعركة

لا ينتهي محيط دفاع إيران عند حدودها. إذ تشمل الجهات الفاعلة الإقليمية المرتبطة بهذه البنية: حزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن. تشكل هذه الجهات مجتمعة حلقة ردع موزعة تُعقّد عملية الاحتواء الجغرافي.

تُثير هذه التطورات تساؤلاً مهماً حول مرونة هذا النسيج الخارجي: لأي مدى يُمكن استمرار هذه الجهات الفاعلة بممارسة ضغط مُنسّق على “إسرائيل”؟ يُرجّح اعتماد الجواب على قدرتها في إعادة بناء القيادة واللوجستيات والتماسك السياسي تحت ظروف الحرب.

لا يستتبع الضغط على إيران رد فعل ميدانياً واحداً محدوداً. بل يُولّد مسارات مُحتملة مُتعددة تشمل شمال “إسرائيل”، ومنشآت عسكرية أمريكية بالعراق وسوريا، وممرات بحرية بالبحر الأحمر والخليج.

بعبارة فسيفسائية، تُمثّل هذه “بلاطات” خارجية. ترتبط هذه الأطراف عبر فيلق القدس التابع للحرس الثوري، الذي يُعدّ آلية اتصال وتنسيق رئيسة تربط طهران بشبكاتها الإقليمية مع احتفاظها باستقلالها محليا. فلا يؤدي تدهور أحدها لانهيار النظام، بل يصبح التصعيد متشعبا متعدد الاتجاهات، ويتضاعف الخطر بمختلف المناطق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى